الأكاديمية هي المدرسة التي أنشأها أفلاطون وفيها حاول ترقية المدارك وترسيخ العلوم على نحو منهجي، وسقراط أستاذ أفلاطون لم يكتب شيئا، ومن سجل علمه كان أفلاطون، وعالم الاجتماع العراقي علي الوردي يعتبر سقراط فلتة، وليس أفلاطون، وأعظم أفكار أفلاطون هي فكرته عن الكهف، بأن الناس جميعا حبيسو تصوراتهم، ومن خرج إلى النور تعجب فأدرك شيئا جديدا، فإذا عاد اتهم بالجنون، لأنه يخالف المعهود والمقلد. وحسب الوردي فإن هذه طبيعة إنسانية، مثل رفض الجسم للكلية، عند مريض مصاب بقصور الكلية، لأنه حينما يقبل كلية يقبل كل شيء فيموت في ساعة، ومنه وجب إعطاء مريض زرع الكلية أدوية تروض مناعته، وتبقي عليه في توازن طبي دقيق، وأي خلل يقضي عليه بالحدين، والكون حولنا عدائي مملوء بالجراثيم القاتلة، ومن يحافظ على وجودنا هو الجهاز المناعي، ولذا فالجسم يعمل وفق قانون كلي أي كل شيء أو لا شيء، وهذا هو سبب موت الإنسان باحتشاء القلب. فحين يموت قسم يضرب القلب عن العمل فيتوقف كله فيموت الإنسان. ويسألني الكثير عن الكتب التي توسع المدارك وتوقظ الوعي وتشحذ ملكة النقد وهي مهمة ليست بالسهلة، فقد كتب لي أحدهم يقول: إنني من المتابعين لك دائماً والمعجبين بكتابتك الأمر الذي جعلني أكتب إليك في مساعدتي في الكتب التي تساعدني في زيادة مداركي، وكما تعلم فإن المؤلفات كثيرة جداً، ولكن لا أدري في أي الطرق أسير؟ آمل منكم مساعدتي في ذلك والسلام.
وكان جوابي له وهو جواب يتكرر لكثيرين يطرحون نفس السؤال مما حرض عندي بناء تصور في خلق أكاديمية للعلم والسلم على ثبج البحر الأخضر الإلكتروني، وكنت فيما سبق أحلم بإحياء وظيفة المسجد فأنشئ داخله كلية جديدة تجمع بين التراث والمعاصرة، فليس مثل الإيمان من محرض، وليس مثل العلم من قائد، ولن ينهض الشرق إلا بانبعاث الروح والعقل معا.
قلت للأخ نعم أخي الفاضل إنك من القلائل الذين يسألون مثل هذا السؤال المحرج والمهم لدخول باب العلم. بكلمة ثانية تريد بوصلة وخريطة في صحراء العرب للوصول إلى ربوة ذات قرار ومعين. وفي الإنجيل ابحثوا تجدوا. اطلبوا تعطَوا. واقرعوا يفتح لكم. فأهلا بك في كلية العلم والسلم. واعلم أن هذه الرسالة ليست لك بل لكل من أراد طرق باب العلم والكدح للوصول إلى لذة الفهم وإدخال الانشراح والسعادة إلى القلب في ظلمات العالم العربي الحالية. واعلم يرحمك الله أنه من أهم شروط دخول كلية العلم والسلم تجنب السياسة والعنف فالسياسة كذب والله أمرنا أن نكون من الصادقين، والعلم يقود إلى السلم، والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
أخي الفاضل العلم يحتاج أربعة شروط حتى يجلس مرتاحاً كما تجلس الطاولة على أربع قوائم: الاهتمام والزمن والصحبة وطبيعة الغذاء الفكري. وحتى تبني نفسك معرفيا فأمامك رحلة عشر سنوات، والكتب التي سوف تقرؤها ستأخذ الطابع الموسوعي، كما فعل إخوان الصفا وخلان الوفا من قبل، فأسسوا أكاديمية للبحث العلمي، ولكن بكل أسف لم يتابعهم أحد من بعدهم. فأصبحوا محنطين في متحف التاريخ آية للمتوسمين والمطالعين. ومن الناحية المبدئية وحتى تبني نفسك معرفيا فهناك حقول معرفية سوف تقتحمها وهي لا تتجاوز في تقديري عشرين حقلاً معرفيا، وهذا يعني أن الدراسة التي سوف تقدم عليها ستكون منهجية خطوة خطوة.
وهذه الحقول المعرفية يجب أن تكون مشارف العلم الحديثة ومن آخر ما خرج من مطابخ الأفران الفكرية. والآن إذا أمسكنا بهذا المفهوم عن الفروع المعرفية فتأتي تلقائيا باقة في غاية الجمال من الكتب التأسيسية، والآن تسـألني عن أجمل الكتب التي توقظ الوعي وتشحذ ملكة النقد وتبني معرفيا فلسوف أقترح عليك باقة من الكتب التأسيسية، وهي غيض من فيض، ولكن لخلق توجه عن طبيعة الكتب التي تبني حائط المعرفة وقلعة اليقين. فليس مثل الكتاب يبني، والناس زائغة النظرات اليوم في ضلال المحطات الفضائية، والعرب قوم تقوم ثقافتهم على المشافهة منذ عصر المعلقات، وفي تقديري فلن تزيد عن خمسمائة كتاب، وهي خلاصة تجربتي في أربعين عاما ويزيد، ولسوف يأتيك النبأ العظيم.