في عام 2000 انسحبت القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان. كان قرار الانسحاب سياسياً. اتخذ القرار رئيس الحكومة في ذلك الوقت إيهود باراك وعارضه الجنرال أرييل شارون. وقد أوصلته معارضته تلك إلى زعامة حزب الليكود، ومن ثم إلى رئاسة الحكومة.
وفي عام 2005 انسحبت القوات الإسرائيلية من قطاع غزة. كان قرار الانسحاب هذه المرة دينياً اتخذه الجنرال شارون نفسه وعارضه بنجامين نتنياهو الذي يتطلع إلى أن يحلّ محلّ شارون في زعامة الليكود وفي رئاسة الحكومة الإسرائيلية.
الفروق بين الانسحابين أساسية:
في جنوب لبنان لم يقم الإسرائيليون مستعمرات لهم، وعندما انسحبوا لم يتركوا وراءهم سوى المتعاملين معهم من اللبنانيين سواء كان تعاملهم غصباً عنهم أم رغم أنفهم. وهذا يعني أن الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان لم يكن احتلالاً استيطانياً، لأن الجنوب ليس جزءاً من أرض الميعاد التي يدّعي الإسرائيليون أن الله اقتطعها لهم ووعدهم بها. ولذلك كان للانسحاب بعد سياسي هدفه وضع حد للاستنزاف البشري الذي كانت تتعرض له قوات الاحتلال الإسرائيلية على يد المقاومة اللبنانية.
أما في غزة فإن الأمر مختلف. هنا كان الاحتلال استيطانياً. ولذلك أقام الإسرائيليون مستعمرات لهم وأقاموا حولها الحصون والحواجز العسكرية. والمستوطنون فيها كانوا من غلاة التطرف والتعصب الديني. ولقد أقاموا المستوطنات على أمل توسيعها وليس هدمها.
وكانوا يعملون على استجلاب المزيد من المستوطنين من شتى أنحاء العالم، ولم يكن يخطر في بال أي مهم أنهم سيضطرون يوماً لإخلائها. إن ثقافتهم الدينية تعلمهم أن الله أعطاهم الأرض. وأن عطاء الله مقدس لا يحق لأي إنسان أن يحرمهم منه أو أن ينتزعه منهم. ولذلك فعندما صدر القرار بالانسحاب اعتُبر القرار تحدياً للإرادة الإلهية. ولا تقتصر الخلفية الدينية للقرار على اعتبار كل فلسطين (يهودياً) جزءاً من أرض الميعاد، ولكن فوق ذلك، فإن هذه الخلفية تذهب إلى حدّ اعتبار أن الانسحاب في حد ذاته يعني طي صفحة "إسرائيل الكبرى". ثم إن الذي اتخذ هذا القرار هو الجنرال شارون نفسه حامل شعار إسرائيل الكبرى والذي كان راعياً لمشروع زرع الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة بالمستوطنات حتى لُقب بـ"ملك إسرائيل".
إضافة إلى ذلك فإن البعد الديني للانسحاب من غزة لا يقتصر على الإسرائيليين وحدهم. إنه يتعلق أيضاً بحلفائهم وبمؤيديهم في الولايات المتحدة، خاصة. فالحركة المسيحانية الصهيونية التي تتمتع بنفوذ قوي في البيت الأبيض في عهد الرئيس الحالي جورج بوش تعارض من حيث المبدأ أي انسحاب إسرائيلي من أي جزء من أرض الميعاد. وهي لا تلتزم بهذا الموقف المبدئي حباً باليهود ولا بإسرائيل، ولكن إيماناً منها - كما تقول أدبياتها الدينية - بأن للعودة الثانية للمسيح شروطاً لا تتم إلا بها. وإن من هذه الشروط إقامة صهيون على كامل أرض الميعاد، وبناء الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى. وتؤمن هذه الحركة السياسية - الدينية أيضا بأن أي تأخير في ذلك يؤدي إلى تأخير هذه العودة الثانية.
وعندما كان نتنياهو رئيساً للحكومة، جرت في واشنطن مباحثات سياسية للتسوية السياسية - واي ريفر - وطرح خلال تلك المباحثات موضوع الانسحاب الإسرائيلي على قاعدة إعادة رسم الحدود. يومها اتصل أحد كبار قساوسة الحركة المسيحانية الصهيونية القس جيري فولويل برئيس الحكومة نتنياهو وسأله باستهجان واستغراب: "هل صحيح أنكم تعهدتم بالانسحاب من أراضٍ فلسطينية"؟.
فردّ نتنياهو محاولاً استيعاب الأمر قائلاً: ليس انسحاباً بالمعنى الحقيقي.. ولكن مجرد "تغيير تجميلي" في الحدود.
وكان تعقيب القس فولويل حاسماً وجازماً:"لا انسحاب من انش واحد" Not from a single inch.
من أجل ذلك "كفّر" اليهود المتشددون رئيس حكومتهم أرييل شارون وقرروا استباحة دمه، على حد ما أعلنه أحد حاخاماتهم في آخر صلاة ترأسها في كنيس في إحدى المستعمرات في غزة قبل تدميره.
وعملية التدمير التي جرت تذكرنا بالآية التي وردت في مطلع سورة الحشر من القرآن الكريم.
تتحدث هذه الآية القرآنية كما يقول علماء التفسير وأسباب النزول - نزول الآيات القرآنية - عن واقعة مماثلة حدثت في أيام الرسول محمد عليه الصلاة والسلام. وفي تفاصيل تلك الواقعة أن يهود خيبر غدروا بالرسول ونكثوا العهد معه، وتحالفوا من وراء ظهره مع أعدائه من مشركي مكة، فنشب بينهم وبين المسلمين صراع انتهى بانتصار المسلمين عليهم. ولكن قبل أن يقتحم المسلمون بلدة خيبر، عمل اليهود على تدمير بيوتها وإحراق مزارعها حتى لا تقع غنائم بيد المسلمين.
وفي ذلك يقول القرآن الكريم: (هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب. يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبِروا يا أولي الأبصار).
لقد نقلت شاشات التلفزيونات عملية تدمير منازل المحتلين اليهود في المس