لم تعد تأثيرات التغير المناخي تقتصر على البشر وحدهم، وإنما شملت جميع الكائنات الحية تقريباً· وإليكم الطيور مثالاً واحداً على صحة هذا الافتراض العلمي· ذلك أنه أصبح واجباً على إناث الطيور مراجعة حالة الطقس -وليس التقويم السنوي- إن أرادت لصغارها القابعين في العش والعاجزين عن الطيران بعد، البقاء لمدة أطول على قيد الحياة، قبل أن يقضي عليهم في مهد ولادتهم بسبب الارتفاع المستمر لدرجات حرارة المناخ العالمي! وعلى رغم ما قد يبدو على هذا الحديث من غموض وإلغاز، ورغم ما قد يثيره من استغراب، إلا أن هذه هي النتيجة التي توصل إليها فريق علمي بريطاني هولندي، أمضى وقتاً طويلاً في دراسة سلوك مجموعة كبيرة من طيور ''القرقف'' في المتنزهات الطبيعية الهولندية·
صحيح أن الموضوعات التي شكلت مادة دراسة الفريق لهذه المجموعة، كثيرة ومتشعبة وشملت أكثر من جانب يتعلق بأنماط حياتها· إلا أن من بين أهم الجوانب التي أولاها الفريق اهتماماً، دراسة ما إذا كانت الإناث قد عدلت وكيفت نشاطها التكاثري الإنجابي وفقاً لظروف التغير المناخي، وما إذا كانت لتعديل كهذا أي صلة بموعد فقس البيض وكيفية تزويد الصغار بما يلزمهم من طعام خلال المدة التي يمكثونها في العش وتحت رعاية الأم أم لا؟ ولما كان من الصعب فهم هذه الأسئلة والإجابة عليها دون تصور أن صغار طيور ''القرقف'' تعتمد أساساً مثل كثير غيرها من بقية الطيور على يرقات الفراشات، فإن الملاحظ أن الكثير من هذه اليرقات قد تحول إلى فراشات كاملة قبل وقت أبكر من الموعد المفترض لبلوغه هذا الطور من النمو، بسبب ارتفاع درجات حرارة الطقس· فما الذي يعنيه هذا؟ الإجابة هي أن عدداً قليلاً جداً من اليرقات قد تبقى لكي تعيش عليه صغار طيور ''القرقف''· هذا هو الوجه المباشر من الإجابة بالطبع· أما وجهها الآخر الخفي الذي يستشف من الاستنتاج الأول، فيتمثل في أن كارثة مجاعة حقيقية صارت تهدد صغار الطائر المذكور، مما يعني تعريض أعداد كبيرة منها لخطر الموت·
ولكن ما توصلت إليه الدراسة المشار إليها، أن معظم الإناث قد عجزت عن تعديل موعد تزاوجها، بما يتفق وهذه الظروف المناخية المستجدة على نمط حياتها· واعتماداً على قانون الانتخاب الطبيعي، فإن الأرجح أن يكون البقاء لصالح صغار الإناث القليلة، التي تمكنت من تعديل جدولها التكاثري· والأهم من ذلك أنه سيكون لهذا النوع الأخير، مكون وراثي يساعد الأجيال اللاحقة من النوع ذاته، على مغالبة ظاهرة الإحماء أو ارتفاع درجات حرارة المناخ العالمي· بيد أن الذي لا يزال مفقوداً ومبهماً حتى الآن -من وجهة نظر الفريق العلمي- هو ما إذا كان إيقاع تكيف الطيور مع هذه الظروف المناخية الجديدة، سيتناسب والسرعة التي تزداد بها درجات حرارة المناخ العالمي أم لا؟
يذكر أن دراسة علمية سابقة كان قد أجراها فريق أميركي على أنواع عديدة من طيور المناطق معتدلة المناخ -من بينها طيور القرقف- نشرت نتائجها في عدد 30 مارس 2001 من مجلة ''العلوم''، قد تمكنت لأول مرة من حساب الطاقة الزائدة التي تبذلها إناث هذه الطيور في توفير الغذاء لصغارها، ضمن محاولة التكيف المستمرة على التغيرات المناخية التي تطرأ على الموطن الطبيعي الذي تقيم فيه· والاستنتاج الرئيسي الذي توصلت إليه الدراسة هو أن التأثير الواضح لتغيرات البيئة الطبيعية المحيطة بالطيور، مصحوباً ومتأثراً بالتغير المناخي، تكون له انعكاساته السلبية على التوازن البيئي القائم بين النباتات من جهة، وشتى الحيوانات والكائنات الحية الأخرى التي تتقاسم العيش في البيئة الطبيعية نفسها من جهة أخرى·
وكانت الدراسة المذكورة أعلاه قد لاحظت أن طيور القرقف وغيرها من طيور المناطق المعتدلة المناخ، عادة ما تحظى بفترة قصيرة من وفرة الغذاء وسخاء الطبيعة عليها، مما يوفر لها كل كمية الطعام التي تحتاجها لتفقيس المزيد من الصغار·
لكن لعدة أسباب، منها التغيرات التي تطرأ على مواطنها الطبيعية، والتغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة، يدخل الكثير من تلك الطيور في موسم تكاثر أبكر من موعدها الطبيعي عادة· والمشكلة أن هذا التعديل في الجدول الزمني للتكاثر، يقع في مواسم السنة التي تقل فيها كمية الغذاء المتاحة لها ولتربية الصغار· وبسبب هذا الخلل الكبير في التوازن ما بين حجم العرض والطلب على الغذاء، يضطر الأبوان معاً -وخاصة الإناث- لقضاء وقت أطول وجهد أكبر في محاولة الحصول على الغذاء الكافي لتربية الفراخ· ومن هنا فإن الحتمية الوراثية هي وحدها التي تستطيع تفسير المقاومة التي تبديها طيور القرقف إزاء تكييف نمطها وعاداتها التكاثرية على تحولات البيئة المحيطة· والمعلوم أن هذه الطاقة الزائدة التي تبذلها طيور القرقف في مساعي البحث عن الغذاء، لم يسبق لها مطلقاً أن جرى حسابها أو قياسها قياساً دقيقاً· لكن بفضل التجارب والأبحاث والدراسات التي أجريت مؤخراً على هذا النوع من الطيور بالذات، تحول هذا الحلم العلمي إلى واقع اليوم· والشاهد أن هذه الأبحاث قد امتدت م


