تلعب الشرايين والأوردة دوراً أساسياً في القدرة على الاستمرار في الحياة، من خلال وظيفتها المتمثلة في مد الخلايا والأنسجة والأعضاء بالأوكسجين والمغذيات الضرورية، وفي الوقت نفسه تخليصها من ثاني أكسيد الكربون وفضلات العمليات البيولوجية· بالإضافة إلى الحفاظ على التوازن الحمضي- القلوي داخل الجسم، ونقل مكونات جهاز المناعة من خلايا وبروتينات عبر مناطق وأجزاء الجسم المختلفة· وكما تصاب أعضاء وأجهزة الجسم المختلفة بالأمراض، تمرض أيضا وتعتل الشرايين· وتبلغ فداحة الثمن الإنساني لأمراض الشرايين، إلى درجة أن السببين الرئيسيين للوفيات في العالم الغربي -الذبحة الصدرية والسكتة الدماغية- ينتجان عن أمراض الشرايين المغذية للقلب أو للمخ· ومن بين أمراض الشرايين المختلفة، يعتبر أشهرها وأكثرها انتشاراً، هو مرض تصلب الشرايين· ويحدث هذا المرض نتيجة تكوّن صفائح أو رقائق داخل جدار الشريان، وعلى سطحه الداخلي· وتتكون هذه الصفائح من ثلاثة أنواع، حسب تركيبها وصلابتها، حيث يحمل كل منها نوعاً خاصاً من الخطر· النوع الأول، يمكن أن نطلق عليه اسم النوع اللين أو الثريدي (من الثريد)، حيث يتكون من صفائح قشرية من مادة لينة صفراء، تقبع تحتها كريستالات من مادة الكولسترول· أما النوع الثاني، فعلى عكس النوع الأول، يتكون من ترسبات صلبة قاسية من مادة الكولاجين، ولذا يمكن أن نطلق عليه اسم النوع المتصلب· ويعتبر النوع الثالث هو أقسى الأنواع على الإطلاق، حيث تقارب صلابته صلابة العظام، ويطلق عليه اسم النوع المتكلس· وسواء كانت الصفائح المتكونة حول وداخل جدار الشريان هي من النوع اللين أو المتصل أو المتكلس،فإنها تؤدي جميعها إلى مشكلتين رئيسيتين، كلتاهما أخطر من الأخرى· المشكلة الأولى هي التسبب في ضيق تجويف الشريان، أو حتى انسداده التام، وهو ما يؤدي بالتبعية إلى نقص حاد في تغذية الدم للعضو المعني، مما يعيقه عن أداء وظيفته وربما فشله التام· وأفضل مثال على هذه المشكلة، هو النقص الحادث في تغذية عضلات الساقين، بسبب ضيق الشرايين المغذية لها، وهو ما يؤدي إلى حدوث شد عضلي، وآلام مبرحة عند المشي لمسافات قصيرة· المشكلة الثانية الناتجة عن تكون صفائح مرضية حول وداخل الشريان، هو احتمال انفصال جزء منها، ثم دخوله إلى تيار الدم· هذا السيناريو ينتج عنه ما يعرف بالجلطة العائمة، والتي يمكنها سد تجويف الشريان تماما، إذا ما وصلت إلى نقطة ضيقة فيه، وبالتالي التسبب في وفاة الخلايا والأنسجة والأعضاء التي يغذيها هذا الشريان· وأفضل مثال على هذا السيناريو، هو الجلطات العائمة التي تصل إلى الشرايين التاجية المغذية للقلب، مسببة انسدادها وبالتالي وفاة جزء كبير من عضلة القلب، فيما يعرف بالذبحة الصدرية، والتي تؤدي في أحوال كثيرة للموت المفاجئ·
ولكن لماذا تتصلب الشرايين؟ وكيف يمكن الكشف عن تصلبها في مراحله المبكرة؟ إجابة هذين السؤالين تبدأ بحقيقة غريبة، وهي أن تصلب الشرايين يبدأ في سنوات العمر المبكرة، وبالتحديد في سنوات الطفولة· هذه الحقيقة تجعلنا ننظر إلى تصلب الشرايين، على أنه علامة من العلامات الأولى للشيخوخة البشرية الطبيعية· وإذا ما كان تعريف الشيخوخة يعني التقدم في العمر، فربما كان هذا التقدم وعلاماته تظهر على أجسامنا وأنسجتنا في مراحل مبكرة عما كنا نعتقد سابقاً· والغريب أيضا أنه رغم هذه البداية المبكرة لتصلب الشرايين، وانتشارها في مراحلها الأولية في الشرايين الكبرى، فإنها غالباً ما لا تنتج عنها أية أعراض ظاهرة، ولا يمكن حتى الكشف عنها باستخدام معظم الفحوص الطبية الحديثة· ولا تظهر أعراض تصلب الشرايين في أغلب الحالات، إلا عندما تصبح خطراً على الأعضاء الحيوية، وبالتحديد عندما تتصلب وتضيق الشرايين التاجية المغذية لعضلة القلب، أو عندما تتصلب وتضيق الشرايين الدماغية المغذية للمخ· ولذا تصبح الخلاصة أننا نحيى جميعا بدرجة من درجات تصلب الشرايين وضيقها، تبدأ في سنوات طفولتنا، ولا تظهر أعراضها إلا عندما تشكل تهديداً مباشراً لقدرتنا على البقاء أحياء· فحسب الإحصائيات الصادرة عن الولايات المتحدة عام ،2004 وجد أنه لدى 65% من الرجال و47% من النساء، يكون العرض الأول الدال على وجود تصلب بالشرايين هو الإصابة بذبحة صدرية، أو الموت القلبي المفاجئ، وهو الموت الذي يحدث خلال أقل من ساعة من ظهور أعراض الذبحة الصدرية·
والحقيقة الأخرى الأكثر غرابة، هي أن الآثار الناتجة عن اضطراب ونقص تدفق الدم، تحدث غالباً في حالات يكون الانسداد فيها أقل من 50%· وهو ما ينفي الاعتقاد الشائع، بأن الدم يظل يتدفق بدون آثار تذكر إلى أن يصل الانسداد إلى مراحل متقدمة· والمؤسف أن اختبار القلب تحت المجهود، وهو الاختبار غير الجراحي الأكثر استخداماً لتشخيص مدى نقص تدفق الدم في الشرايين التاجية، يكشف فقط عن الانسدادات التي تحتل أكثر من 75% من تجويف الشريان· ويحاول الأطباء تحسين حساسية هذا الاختبار، من خلال استخدام النظائر المشعة، كي يتمكنوا من الكشف عن ال