أخطر ما تتعرض له الأمم هو انقطاعها عن جذورها، وتنكرها لأصولها، وقد بات مريعاً أن نجد بين العرب من يشكك بوجود العرب كأمة، ومن يسخر من مقومات الانتماء إليها، ومن يجعل القطر بديلاً عن الأمة، ومن يدعو إلى الكف عن الاهتمام بالقضايا العربية المشتركة، ومن يرى الانتماء العروبي وهماً، ومن يبحث عن انتماء يمكّنه من الانخراط في تشكيل جديد يطمح إلى قطع الجذور العربية، وغرس مكونات جديدة تتيح لإسرائيل أن تتجاوز عجزها عن اختراق المحيط الثقافي العربي الذي نبذ كل مشاريع التطبيع ورفض تقديم التنازلات المجانية التي يقدمها بعضهم تقرباً من الولايات المتحدة، وتتقرب بها الولايات المتحدة من إسرائيل على حساب العرب. ويتجاهل الساعون إلى الرضا الصهيوني كون إسرائيل ما تزال تحتل الأرض العربية، وتمعن في العدوان على الشعب الفلسطيني، وتصعد من تهديدها بالإبادة والاغتيالات للوطنيين الشرفاء، وتمارس سياسة الغطرسة والاستعلاء حتى في تعاملها مع الأمم المتحدة وقرارات الشرعية الدولية، وهي توسع من قدراتها النووية والتدميرية في الوقت الذي تُمنع فيه شعوب المنطقة من حق الدفاع عن النفس.
والتنكر للجذور ليس بدعة حديثة في الحياة العربية، فقد شهدت الأمة هجمة غربية قوية منذ أواخر القرن التاسع عشر، كان هدفها قطع الجذور التي تمد الأمة العربية بنسغ الحضور المميز لها بين الأمم، وقد حملت هذه الهجمة عناوين براقة، وتسللت إلى أدبيات النهضة التي كانت تدعو الأمة إلى اليقظة بعد طول سبات في العهد العثماني، وقد تنبه كثير من رواد النهضة العربية إلى خطر هذا التسلل الذي كان يسعى إلى إبعاد العرب عن جذورهم عبر تغريب مبرمج يتصدى لتيارات التعريب التي كانت تبحث عن الجذور لتسقيها بماء العصر وروائه.
كان بعض العرب المبهورين بإنجازات الغرب العلمية والتقنيّة يحيلون التخلف العربي إلى عجز الثقافة العربية عن استيعاب تلك العلوم التي مكنت الغرب من التقدم، ويزعمون أن سر التخلف هو التمسك بجذور الثقافة العربية التي يدعون أنها تكبح انطلاقة الأمة إلى آفاق المستقبل وتحد من قدرتها على الانغماس في العصر، وكان السؤال الذي يجسد ذاك التحدي: "لماذا تقدم الغرب وتخلف العرب؟".
لقد استدعى هذا السؤال المفتوح إجابات شديدة التناقض، فهناك من رأى سر التخلف العربي كامناً في التمسك بالجذور اليابسة كما رآها، ودعا إلى اقتلاعها، وبعض المثقفين العرب أشادوا بعظمة هذه الجذور ولكنهم وجدوا طريق النهضة في الانغماس الكلي في الحضارة الغربية المعاصرة، حتى أن طه حسين، وهو الأزهري المتعمق بدراسة التراث والفكر العربيين، عاد من فرنسا ليرسم "مستقبل الثقافة في مصر" فإذا به يجعله مرتبطاً بقدرتها على الوصول السريع إلى الضفة الأخرى من المتوسط. وقد أثارت هذه الإجابة الحادة ردة فعل من المحافظين جعلتهم يبالغون في الانفعال رافضين كل ما هو غربي، فضاعت تلك الرؤى المعتدلة الداعية إلى التمسك بالجذور، مع ترك الأغصان تنمو وتعلو وتراقص النسائم التي تهب عليها من كل صوب واتجاه.
ومن يتأمل مسيرة السياسة العربية منذ انهيار الدولة العثمانية إلى يومنا هذا، يجد عمق تأثر السياسة بتلك الرؤى الثقافية المتناقضة؛ فقد ظهرت أحزاب سياسية عديدة تعبر عن رفض شعبي عارم لسياسة التغريب التي رافقت قدوم الجيوش الغربية لاحتلال واستعمار الأمة العربية، وعبرت تلك الأحزاب عن تمسكها بالجذور عبر رؤى مختلفة، فمنها من دعا إلى التمسك بالجذور الأبعد تاريخاً من العروبة والإسلام، وإلى إحياء الثقافات الموغلة في القدم التي شكلت الجذور العميقة لثقافة الشعوب التي استوطنت المنطقة، وفي هذا الاتجاه جاءت دعوات إحياء الفينيقية في سوريا ولبنان، ودعوات إحياء الفرعونية في مصر... ولكن التيارات الأهم والأقوى تأثيراً كانت تلك التي انقسمت إلى مشروعين حضاريين أولهما المشروع القومي الذي دعا إلى إحياء العروبة، والتمسك بجذرها الثقافي لغة وتاريخاً دون التنكر للثقافات القديمة في المنطقة، وقد وجد المشترك العربي حياً وقائماً بين العرب تجسده منظومة القيم والتقاليد وتحييه الإرادة المشتركة في العيش معاً.
وتأثرت الأحزاب القومية العربية بالأفكار القومية الأوروبية، وبحثت عن تشكيل قومي لبنية الدولة الحديثة، وبعضها تأثر بالفكر الماركسي فاستقى منه رؤية محلية للاشتراكية دون أن يأخذ منه دعوى الأممية التي تتعارض مع الفكرة القومية.
وبالغت بعض التوجهات القومية حين أغفلت العناية بالقوميات والأعراق التي تشاركها العيش في الوطن العربي، ولكن بعضها كان واسع الطيف في تفسيره للقومية إذ استقى المفهوم من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "ليست العربية لأحد منكم بأب ولا أم، إنما العربية اللسان" أي الفكر والانتماء الثقافي.
أما المشروع الإسلامي فوجد في الدعوة القومية ما يتعارض مع شمولية وأممية الإسلام، ولم يتقبل فكرة قيام الدولة الحديثة، وراح يطالب باستعادة دولة الخلافة الإسلامية، وقد ثار جدل طويل وحاد على مدى القرن العشرين حول نظام الحك


