هل اختفى المثقفون من بريطانيا كما يشير إلى ذلك تلميحا الجزء الأول من عنوان كتاب "ستيفاني كوليني" أستاذ التاريخ والأدب الإنجليزي في جامعة كامبريدج: "عقول شاردة: المثقفون في بريطانيا نموذجا"؟.. وهل اختفت تلك السلالة المتميزة من المثقفين من "فولتير" إلى "برتراند راسل" تدريجيا، ثم انقرضت نهائيا مع رحيل "إدوارد سعيد"؟. قد يذهب البعض للقول إن المثقفين لا يزالون موجودين، وإنهم ممثلون في الأكاديميين الذين يملأون الجامعات المنتشرة في مختلف أنحاء العالم، على اعتبار أن مادة التعامل بالنسبة لهؤلاء الأكاديميين هي الأفكار في المقام الأول مثلهم في ذلك تماما مثل المثقفين. قد يكون ذلك صحيحا نسبيا، ولكن المثقفين الذين يقصدهم الكاتب ليسوا هم الأكاديميين ولكنهم ذلك الطراز المعروف باسم المثقفين العموميين، أي أولئك الذين يقومون بتشكيل الرأي العام وصياغة ذهنيته. فهذا الطراز من المثقفين غدا نادرا ليس اليوم فقط كما قد يعتقد الكثيرون، وإنما يمكن القول إنهم كانوا دائما جنسا مهددا بالانقراض. هل هناك ما يثير العجب في هذا القول؟ ألم يعلن مثقف كبير بقامة "ميشيل فوكو" عن موت النموذج الكلاسيكي السارتري (نسبة إلى جان بول سارتر) من المثقفين، ذلك النموذج الذي كان يمكن اعتباره مرجعية في كل حقل من حقول الثقافة تقريبا، بدءا من علم الجمال وحتى علم السياسة، كما كان يمكن اعتباره إلى جانب ذلك صوتا ناطقا بالحقيقة والعدل. فمع موت "السرديات الكبرى" كان هذا النوع من المثقفين مضطرا لأن يحصر جهوده، وأن يفكر في أمور صغيرة تختلف عما كان يفكر فيه ذلك الطراز النفيس من المثقفين. غير أننا يجب في هذا العرض أن نؤكد أن هناك فئة ضئيلة أو بقايا من هذا الطراز ظلت موجودة وفاعلة في الحياة الثقافية في الغرب مثل "يورغن هابرماس" و"بيير بورديو" و"جوليا كريستيفا" الذين ظلوا يعملون في الفضاء الثقافي العام، وكأنه لم يتناهَ إلى أسماعهم أن هذا الفضاء قد أُغلق، بل ويتغاضون عما يقال من أن نجمهم قد أفِل بعد أن عانوا مرارة الهزيمة نتيجة لتقلص مساحة الفضاء الثقافي العام بسبب تقسيم العمل، وصعود تلك القوة الجديدة الهائلة التي أصبحت تضطلع بمهمة صياغة الرأي، وتشكيل العقول وهي "الميديا" أو وسائل الإعلام الحديثة. ينتقل الكاتب بعد ذلك لمناقشة أسباب تحسس البريطانيين المزعوم من المثقفين، ومحاولة البعض إيجاد نوع من الرابط بين تحسس البريطانيين من المثقفين، وتحسسهم من الأجانب بشكل عام.. ومحاولة آخرين البحث عن جذور ذلك التحسس المزعوم للبريطانيين نحو الثقافة في التاريخ ويربطون بين هذا التحسس وبين نظرة الشك التي نظر بها البريطانيون للثورة الفرنسية ضمن سياقها التاريخي، حيث اعتبروها محاولة لإعادة تشكيل المجتمع على أساس أفكار مجردة، قامت خلالها حفنة من الحالمين المتمردين والمتعصبين، بتحويل أمة بأكملها إلى مختبر تجارب لأفكارها المقيتة، في حين أن البريطانيين شعب براغماتي حتى النخاع، يختلف اختلافا كليا عن الفرنسيين، ويؤمن بأثر العادة، والفطرة السليمة، وبالنهج المتدرج في الإصلاح. المؤلف يتفق مع الأفكار التي تقول إن الطبقة الوسطى البريطانية لم تكن في أية مرحلة من المراحل، في حاجة إلى أفكار سياسية كبرى، لأنها اعتادت على الزحف إلى السلطة بالتدريج، ومن خلال خطوات صغيرة، بدلا من الاستيلاء عليها عنوة من خلال الانقلاب والثورة. كما يلفت النظر إلى أن البريطانيين عندما يستخدمون كلمة المثقف، فإنهم يتبعونها عادة بصفة "المزعوم" أو "المدعى" حتى لا يظن أعداؤهم، وهم هنا المثقفون، أنهم قد قاموا دون قصد بإضفاء الثناء عليهم من خلال وصفهم.. ولكن المؤلف مع ذلك حاول من خلال عرض رصين التصدي للاهتمام الظالم القائل إن البريطانيين بشكل خاص شعب مُعادٍ للثقافة. فهو يدحض ذلك الافتراض، ويقول إن البريطانيين قد يسخرون بالفعل من المثقفين، ولكنهم ليسوا هم الوحيدون في العالم الذين يفعلون ذلك.. فهناك شعوب أخرى تفعل نفس الشيء سواء في العالم المتقدم أو المتخلف، كما أن أمة مثل الأمة البريطانية أنجبت شخصيات فكرية بحجم "كولريدج"، و"جون ستيوارت ميل" و"برنارد شو" و"كينز" و"ألدوس هكسلي" و"أورويل" لم يكن ممكنا أن تخلو من وجود طبقة من "الإنتليجنسيا" كما يزعم البعض. علاوة على ذلك، فإن بريطانيا -كما يرى المؤلف- تمتلك إرثا فكريا محترما تقف على رأسه مجموعة من المثقفين المحافظين مثل" أدموند بيركي" و"روجر سكراتون" لم يروا ضيرا على الإطلاق في انتشار بعض الأفكار المنحرفة عن السياق الفكري العام، لأن العديد من المثقفين الذين اعتنقوا مثل هذه الأفكار، ظلوا مع ذلك خدَّاما مخلصين للأمة مما يساهم أيضا في دحض المزاعم عن نفور البريطانيين من المثقفين. ومما يؤخذ على المؤلف وهو يسعى إلى تبيان وجهات نظره ما يتصف به من نفور، لم يحاول إخفاءه من النظريات الخاصة بالتحليل البنيوي، كما أنه بدا متشككا في معظم التعميمات باستثناء تلك التي يقدمها هو. فهو عندما يرى رأيا يناقض ما يذهب إليه فإنه