ها قد بدأت حملة الانتخابات الرئاسية الأميركية على رغم أن الانتخابات نفسها ما زالت بعيدة بمقدار سنة واحدة تقريباً. وقد كان ذلك متوقعاً، لكن ما يندرج في خانة الاستثنائي أن إحدى مسائل السياسة الخارجية، وأعني بها سياسة الرئيس (بوش) في العراق، قد أصبحت مركز اهتمام مرشّحي الحزب الديمقراطي الساعين إلى تبوء منصب الرئاسة. وقد هبّ أولئك جميعاً إلى انتقاد الرئيس (بوش) على طريقته في معالجة السياسة الخارجية؛ وبسبب سقوط الأميركيين قتلى في العراق، ولأن الحالة هناك ما تزال غير مستقرة، يصب أولئك لومهم على الرئيس(بوش) لقاء سياسته حيال العراق. غير أنهم مختلفون جداً فيما بينهم حول ما ينبغي فعله حيال العراق، ولهذا لا يوجد الآن أي صوت معارض أمام الرئيس (بوش)·
ومن بين المرشحين التسعة يبرز (هاوارد دين)، الطبيب وحاكم ولاية (فيرمونت) السابق، باعتباره المرشح الذي يحظى بأقوى الترجيحات للفوز بترشيح الحزب الديمقراطي وذلك نظراً إلى تصدره مكانة متقدمة في استطلاعات الرأي. ومن بين مواطن قوة (دين) أنه المنتقد الأقوى لقرار الرئيس (بوش) بخوض الحرب في العراق. ومن المعلوم أن (دين) هو المرشح الوحيد الذي يتمتع بسجل نظيف في معارضة تلك الحرب، وهي معارضة يعود تاريخها إلى ما قبل وقوعها بزمن طويل. أما المرشحون الآخرون، ومنهم السيناتور (جون كيري) والسيناتور (جو ليبرمان)، فقد صوّتوا في مجلس الشيوخ تأييداً لقرار تم إقراره في سبتمبر 2002 ويعلن صدّام حسين مصدر تهديد لأميركا، وهو القرار الذي فوّض الرئيس (بوش) بصلاحيات استخدام القوة عند الضرورة للتعامل مع صدّام. وقد دأب (دين) على تذكير جمهور سامعيه مراراً وتكراراً بأنه كان دوماً يعارض استخدام القوة ضد العراق، وبأن عدداً من منافسيه قد صوّتوا تأييداً لشن الحرب.
وقال السيناتور (كيري) في معرض ردّه على ذلك إنه صوّت تأييداً لتلك الحرب لأن الرئيس قام بتضليل الأميركيين حين زعم أن العراق يمتلك أسلحة للتدمير الشامل، وهو على الأرجح لا يمتلكها إذ لم يتمكنوا من العثور عليها. غير أن السيناتور (ليبرمان) ردّ على ذلك بالدفاع عن تصويته لصالح قرار شن الحرب وقال إن الرئيس (بوش) كان مصيباً في شن الحرب على العراق، لكنه عالج الأوضاع ما بعد الحرب بطريقة سيئة.
وقد أدى اعتقال صدّام حسين إلى اشتداد حدة الجدل السياسي الدائر حول العراق. ففي غضون أقل من 24 ساعة بعد الاعتقال، ألقى (دين) خطاباً حول السياسة الخارجية قال فيه:(إن اعتقال صدّام حسين لم يجعل أميركا أكثر أماناً)· ومن المرجح أن (دين) يعني بكلامه هذا أن اعتقال صدّام حسين لم يحقق في المحصّلة شيئاً لتعزيز الأمن الأميركي، وذلك بسبب عدم الربط ما بين صدّام ومنظمة القاعدة وأحداث 11 سبتمبر، وبسبب عدم العثور على أسلحة التدمير الشامل العراقية، وكذلك لأن العراق أثار غضب الكثيرين في منطقة الشرق الأوسط. لكن (دين) أدلى بهذا التصريح هكذا وببساطة فهبّ المرشحون الآخرون إلى مهاجمته. ولذلك أعلن (ليبرمان) أن التصريح برهن على أن (دين) زعيم ضعيف لم يدرك الأخطار التي تحدق بأميركا، وأعلن أيضاً أن (دين) لو صار رئيساً من قبل لكان صدّام حسين باقياً على كرسي الحكم حتى الآن.
وبطبيعة الحال، شعر مؤيدو الرئيس (بوش) بالسرور الغامر لاعتقال صدّام حسين، لأن ذلك -كما يقولون- يبرهن على أن الحرب كانت مبررة لأن الرئيس (بوش) نجح في إزالة رجل كان من الواضح أنه زعيم متوحش تجرّد من الإنسانية ومجرم حرب يشكل تهديداً على العالم. وقد ارتفعت مستويات تأييد الرئيس (بوش) على سلّم استطلاعات الرأي إلى حد ما منذ اعتقال صدّام، ومن الواضح أنه ارتفاع طرأ بسبب ازدياد عدد الأميركيين الذين باتوا يصدّقون الآن أن الحرب كانت مبررّة. غير أن المراقبين السياسيين يحذرون من أن الجمهور الأميركي يتوقع من العديد من الساسة أن يعتقدوا أن اعتقال صدّام سيؤدي إلى تقليص أعمال العنف التي تستهدف الأميركيين في العراق، وإذا لم يحدث ذلك، فإن شعبية الرئيس (بوش) ستكون آيلة إلى الانخفاض والتقلص.
لقد رأينا الصور التي ظهر فيها صدّام حسين وهو يخضع بعد اعتقاله بفترة وجيزة للفحص على يد طبيب أميركي ، وهي الصور التي غطّت الصفحات الأولى من كل الصحف الأميركية بلا استثناء وبقيت على مدى الأيام الماضية تتصدر شاشات التلفزة الأميركية. وقد تعمدت إدارة (بوش) إصدار إذن يسمح بنشر تلك الصور لتبرهن بها على أن صدّام حسين في الأسر فعلاً، ولتمنع سيل الإشاعات المتداولة التي تقول إن الولايات المتحدة كذبت ولم تقل الحقيقة حول مسألة اعتقاله. غير أن البعض في أميركا انتقدوا تلك الصور مستندين بذلك على أساس أنها صور غير لائقة، أو على أساس أنها تشكل انتهاكاً لمعاهدة جنيف (الخاصة بمعاملة أسرى الحرب)·
وبحسب استطلاعات الرأي، يبدو أن الجمهور الأميركي قد انقسم في موقفه من (بوش) إلى نصفين متساويين: نصف مؤيد ونصف معارض. ولذلك فإن من المستحيل عند هذه النقطة أن يتنبأ المرء بما إذا كان (بوش) سيفوز بفرصة انتخاب