عندما تتوقف الحروب، ينشغل الجميع بالسؤال التقليدي: مَنْ انتصر ومَنْ خسر؟ لكن التاريخ لا يتوقف كثيراً عند نتائج المعارك بقدر ما يتوقف عند التحولات التي تصنعها. فالحروب الكبرى لا تُغيّر خرائط الجغرافيا فقط، بل تُغيّر خرائط النفوذ وموازين القوى وطريقة تفكير الدول والشعوب.
والحرب التي شهدتها المنطقة خلال عام 2026 قد لا تُذكر مستقبلاً بسبب عدد الصواريخ التي أُطلقت أو المواقع التي استُهدفت، بل لأنها قد تكون الحرب التي أنهت شرق أوسط وفتحت الباب أمام شرق أوسط آخر. فمهما تعدّدت الروايات حول نتائجها، ومهما اختلفت التقديرات بشأن المكاسب والخسائر، فإن الحقيقة التي يصعب تجاهلها اليوم هي أن أحداً لم يخرج قادراً على فرض إرادته منفرداً على المنطقة. لقد انتهت الحرب من دون منتصر مطلق، لكنها أنتجت حقيقة مطلقة: لا أحد يستطيع حُكم الشرق الأوسط وحده بعد اليوم. الحرب الأخيرة لم تكشف فقط حدود القوة الإيرانية، بل كشفت أيضاً حدود القوة الأميركية والإسرائيلية.
وللمرة الأولى منذ عقود تعرّضت جميع الأطراف لاختبار مباشر أظهر أن أياً منها لم يَعُد قادراً على صياغة مستقبل المنطقة وفق رؤيته الخاصة أو فرض معادلاته على الجميع. وهنا تحديداً بدأت ملامح الشرق الأوسط الجديد، شرق أوسط لا تحكمه قوة واحدة، ولا تصنع مستقبله دولة واحدة، بل تفرضه توازنات جديدة ومصالح متشابكة وحقائق فرضتها الوقائع على الأرض. فإيران التي استثمرت لعقود في بناء نفوذها عبر الجماعات المسلحة الممتدة في عدد من الدول العربية، وجدت نفسها أمام حقيقة جديدة، فالأذرُع التي كانت تُمثِّل مصدر قوة أصبحت في كثير من الأحيان عبئاً سياسياً وأمنياً واقتصادياً.
كما أثبتت الأحداث أن الدول لم تَعُد مستعدةً للقبول باستمرار هذه المعادلة إلى ما لا نهاية. وفي المقابل، أظهرت الولايات المتحدة أنها لا تزال القوة العسكرية الأكبر في العالم، لكنها لم تَعُد راغبة في إدارة المنطقة بالطريقة التي كانت تفعلها في العقود السابقة.
فالأولوية الأميركية أصبحت تتجه نحو المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية العالمية، وليس الانخراط في صراعات طويلة تستنزف الموارد والجهود. أما إسرائيل، وبرغم تفوّقها العسكري الواضح، فقد اكتشفت أن القوة العسكرية قادرة على ردع التهديدات، لكنها غير قادرة وحدها على صناعة الاستقرار الدائم. فالاستقرار الحقيقي لا يتحقق إلا عندما تكون المنطقة بأكملها جزءاً من معادلة أمنية وسياسية أكثر توازناً. لكن التحول الأبرز لم يكن في واشنطن أو طهران أو تل أبيب، بل في العواصم العربية، وتحديداً في دول الخليج. فقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الخليج لم يَعُد مجرد مصدر للطاقة أو ساحة تتأثر بالأحداث، بل أصبح مركزاً اقتصادياً وسياسياً وأمنياً مؤثّراً في تشكيلها.
وأظهرت الحرب أن استقرار المنطقة وازدهارها باتا مرتبطين إلى حدٍّ كبير بما تمتلكه دول الخليج من قدرات اقتصادية وبنية تحتية متقدمة ورؤية تنموية طويلة المدى. ولأول مرة منذ عقود، لا تُرسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط على وقع المدافع وحدها، بل على وقع الاستثمارات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية. فالدول التي تنجح في بناء اقتصاد قوي وجذب العقول ورأس المال هي التي ستقود المرحلة المقبلة، وليس بالضرورة الدول التي تملك أكبر عدد من الصواريخ. ومن هنا فإن المنعطف الأهم لا يتعلق بمن ربح الحرب، بل بمن سيُحسن استثمار ما أفرزته من تحولات.
ولعل أكبر المستفيدين من هذه التحولات هم العرب إذا أحسنوا استثمارها، وأكبر الخاسرين إذا عادوا إلى خلافاتهم القديمة. فالعالم يُعيد اليوم رسم موازين القوى، والمنطقة العربية تمتلك من الموارد والموقع والإمكانات ما يؤهّلها لأن تكون شريكاً في صناعة المستقبل، لا مجرد متلقٍّ لنتائجه. لقد انتهت الحرب، لكن ما انتهى معها أيضاً هو جزء كبير من النظام الإقليمي القديم.
أما الشرق الأوسط الجديد فما زال قيد التشكُّل. والسؤال الذي سيحدّد مستقبل المنطقة ليس ماذا فعلت القوى الكبرى بالشرق الأوسط، بل ماذا سيفعل أهل المنطقة بهذه اللحظة التاريخية؟ لأن الأمم التي تُدرك لحظاتها الفاصلة تصنع مستقبلها بنفسها، أما التي تنشغل بخلافاتها الصغيرة فتترك الآخرين يكتبون ذلك المستقبل نيابةً عنها. فإذا كان القرن الماضي قد شهد صراع الآخرين على أرضنا، فقد تكون هذه اللحظة بداية عصر نصنع فيه مستقبلنا بأيدينا.
لواء ركن طيار متقاعد.


