هل الأساطير التي يقاس عمرها بقدم الإنسان والتي عبّر من خلالها عن آماله وآلامه قد ضمُرَت وانصرم وجودها مع تقدم الفلسفات والعلوم، أم أنها قد استعصت على الأفولِ واختلفت تعبيراتها فقط، ليظل جوهرها جاثماً في حياتنا اليومية بدلالات متباينة؟إن الأطروحة التي تروم هذه الفسحة الثقافية الدّفاع عنها تزعم أنه لا العلم ولا الفلسفة استطاعا القضاء على الأساطير، بل إن الأساطير، التي أسست العقل الغربي ذاته، ما تزال تحيا بيننا، وقد تصدى كثير من المفكرين المعاصرين إلى تفكيك تجلياتها الحديثة.
إن علاقة الفلسفة بالأسطورة علاقة قديمة، وقد ظنّ بعضهم أن الفلسفة والعلم قد انفصلا عن الأسطورة، في حين أثبت «جان بيير فرنان» أن الفلسفة ليست سوى إضفاء الطّابع العقلاني على الأسطورة، مما جعله يرى الأسطورة في أصل الفكر الغربي ذاته، فالأسطورة والفلسفة هما لحظتان في نفس التّاريخ، فاليونانيون لم يتركوا الأسطورة وينتقلوا فجأة إلى الفلسفة، بل كان ذلك عبر تحول بطيء من السّرد إلى البرهان.
ومع استقلال الفلسفة وتميزها خطاباً علمياً برهانياً، فإن ذلك لم يؤدّ إلى نفي الأسطورة؛ فقد ظلت الأسطورة حاضرة في قلب الفلسفة، وأكبر شاهد على ذلك أسطورة أوديب التي حوّلها سقراط إلى سؤال فلسفي. وأسطورة الكهف التي شخّص بها أفلاطون عالم المُثل وعالم الظّلال وجسَّد بها صورة الفيلسوف.
وأسطورة العربات التي مثّل بها قوى النفس المختلفة، لتصبح الحكاية مطية لجعل حقائق العقل قريبة من المتلقي ومستساغة من ذوقه العام. وقد سمّى «جان بيير فرنان» ذلك بـ«العقلانية الأسطورية»، مؤكداً حاجة العقل إلى الأسطورة للتّفكير في قضايا فلسفية أصيلة مثل قضايا الموت، والأصل، والعدالة. ومن هنا أكد فرنان أن العقل الغربي قد وُلد من رحم الأسطورة، ليأتي رولان بارت مفكّكاً أساطير الحياة اليومية التي تخدع الإنسان المعاصر.فقد تنبّه «رولان بارت»، في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، إلى بعض أساطير الحياة اليومية الفرنسية، فكتب على مدى سنتين كتابه «أسطوريات»، Mythologies يشرح فيه مظاهر من حياة الفرنسيين، وباحثاً عن الكيفية التي تشتغل بها الدّلالات والمعاني.
لم ينظر «رولان بارت» إلى الأسطورة مرادفاً للخرافة، بل رأى فيها طريقة للتّفكير والكلام يعبر بها المجتمع عن ذاته. فكل حقيقة هي ثقافية وتاريخية، لكن عندما تبدو وكأنها طبيعية بديهية غير قابلة للنّقاش فإنها تضحى أسطورة. ومن هنا فكل ما يعجّ به المجتمع يمكن أن يصبح أسطورة، فالسّيارة مثلاً هي أسطورة لأن وظيفتها أن تحول ما هو ثقافي إلى شيء طبيعي وبديهي غير قابل للتساؤل عنه، فقد قُدِّمت سيارة «د.س ستروين» على أنها مركبة فضائية تجسد أسطورة التقدّم والتكنولوجيا. بل إن «برج إيفل» ليس غير آلة أسطورية بحيث إن النّاظر إليه يراه رمزاً، والنّاظر منه من علٍ وهو يشرف على باريس يراها كخريطة، أمّا باريس المتعددة فتختفي في النّظرتين معاً لتصبح، مع برج إيفل، شيئاً طبيعياً وموّحداً.
إن وظيفة الأساطير أنها تجعل الواقع المصنوع يبدو طبيعياً. ومن هنا عمل «بارت» في كتابه المهم على تفكيك الأساطير لبيان كيف يتم تصنيعُ المعنى، وهدفه من ذلك خلْق فكر نقدي لا يقبل كل أمور حياة النّاس كمسلّمات.
إن للأساطير قوّة لا تقاوم، إذ «النّفس تنقاد للوهم كما تنقاد الحقيقة للعلم» كما يقول ابن العريف في كتابه «محاسن المجالس»، لذا فإن أصحاب اتجاه «نزع الأسطرة» Démythologisation رافعوا على كشف الحجب عن الأساطير المشبعة بالأوهام لجعل الحقيقة الوجودية أقرب، وجعل الواقع في تعدّده وتناقضاته أجْلَى وأبْين وأظْهر.
*مدير مركز الدراسات الفلسفية بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.


