الحرب على لبنان وضرورة تطبيق القرار 1559
في حين انشغل العالم واتجهت أنظاره إلى نواح شتى, إذا بـ"حزب الله" يفلح سراً في بناء ترسانة عسكرية قوامها 10 آلاف من الصواريخ القريبة المدى, وفرتها له كل من سوريا وإيران. وبالطبع فإنه ليس في هذه الترسانة ما يشير من قريب أو بعيد إلى ما يدعم علاقات سلام آمنة مع الجارة إسرائيل. وفي الوقت نفسه فإنه ليس فيها ما يشي بحسن نوايا ولا عزم على الحفاظ على علاقات سلمية معها من قبل الدولتين المجاورتين سوريا وإيران. والواضح أن في مقدور "حزب الله" قصف إسرائيل بـ100 صاروخ من صواريخ كاتيوشا يومياً –على نحو ما دأب عليه طوال الأسابيع الماضية من الحرب بينه وإسرائيل- بحيث يتواصل هذا القصف لثمانين يوماً أخرى, أي حتى شهر أكتوبر المقبل. ولكي نقرر الحقائق كما هي فإن "حزب الله" هو الطرف المعتدي في هذه الحرب, وهو الذي أشعل فتيلها. ومن جانبها فقد ردت عليه إسرائيل كدأبها عادة, بقوة كبيرة كما نرى.
وبما أن تلك الصواريخ تنطلق من داخل الأراضي اللبنانية, فإن المدفعية والمقاتلات الجوية الإسرائيلية ترد عليها بالقنابل والقصف المدفعي. وبالنتيجة فقد ارتفع ضحايا هذا القصف المتبادل من الجانبين ليصل إلى بضع مئات منذ اندلاع الحرب. وعلى رغم إمتلاك "حزب الله" صواريخ أبعد مدى وأكثر تطوراً, فإن صواريخ "كاتيوشا" قصيرة المدى, جد بدائية ويصعب استهدافها وصدها. ولذلك فهي تنجح في إصابة أهدافها, دون أن تفرق في ذلك بين مدني ولا عسكري إسرائيلي. والشاهد أن إسرائيل إنما تركز قصفها على الأهداف العسكرية التابعة لـ"حزب الله", إلا أنها أصابت عدداً من المدنيين اللبنانيين الأبرياء, إلى جانب عدد من المراقبين التابعين للأمم المتحدة. كما شملت أعداد القتلى في الجانبين النساء والأطفال, على نحو ما رأينا في ذلك القصف المأساوي لقرية قانا.
وإذا ما استثنينا إيران, فلا أظن أن هناك مصلحة لأحد في استمرار هذه المذابح الدموية البشعة. بيد أن كلا طرفي النزاع يخوضان سباقاً محموماً مع الزمن. فقبل أن توضع البنادق وتهدأ الصواريخ , تعتزم إسرائيل من جانبها إلحاق أكبر خسارة عسكرية ممكنة بقدرات "حزب الله" وترسانته الحربية, ضماناً لشل قدرات الحزب على شن المزيد من الهجمات العدوانية عليها وعلى مواطنيها. أما من ناحيتهم, فيتشبث مقاتلو "حزب الله"– الذين أظهروا قدراً كبيراً من العزم والصمود- ببسط سيطرتهم على أكبر رقعة جغرافية ممكنة من الشريط الحدودي الجنوبي الفاصل بين بلادهم وإسرائيل. والهدف وراء هذا هو تمكنهم من استئناف شن هجمات معادية لإسرائيل متى ما سمحت الظروف بذلك لاحقاً.
وبين هذا وذاك، تتصاعد مطالبة الرأي العام العالمي بوقف فوري لإطلاق النار. والأكثر أهمية من مجرد الوقف الآني لإطلاق النار, هو بذل المساعي والجهود الرامية إلى إيجاد حل أكثر سعة وبراحاً للنزاع العربي- الإسرائيلي برمته. ولعل الحل الأمثل للحرب على لبنان الدائرة حالياً, هو تطبيق القرار الأممي رقم 1559, القاضي بنزع أسلحة "حزب الله", وهو ما عجزت الحكومة اللبنانية عن تنفيذه حتى هذه اللحظة. وفيما لو تم تطبيق هذا القرار, فإنه سوف يعطي فرصة لبقاء الديمقراطية اللبنانية المزعزعة, بينما يتمكن "حزب الله" من إعلاء صوته داخل البرلمان وتوسيع مشاركته في الحياة السياسية اللبنانية, بدلاً من إعلاء صوت مدافعه وصواريخه.
وبصرف النظر عن الجهة التي سيخول لها القيام بهذه المهمة– سواء كانت قوة تابعة للأمم المتحدة أم حلف "الناتو" أم خلافه- فإن الوضع كله يبدو من التعقيد بحيث يستدعي تفعيل الجهود الدولية الكفيلة بإيجاد حل للنزاع العربي الإسرائيلي إجمالاً. ولا سبيل لهذا إلا بنزع فتيل الكراهية المتبادلة بين العرب واليهود, التي سممت أجواء المنطقة الشرق أوسطية على امتداد عدة عقود مضت. فما أشد الغضب والآلام وما أعمق الجراح. بيد أن هذه البشاعة التي تطل علينا عبر شاشات التلفزيون من لبنان, كفيلة بحفز جهودنا من أجل التوصل إلى غاية أسمى كهذه, من خلال سعينا لفض النزاع الحالي.
جون هيوز
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مساعد سابق لوزير الخارجية الأميركية إبان إدارة الرئيس ريجان
ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور".