عندما قامت "داريا شيرمر" الطالبة بالصف الأولى بإحدى المدارس الثانوية في ألمانيا بإجراء تجربة عملية بالاشتراك مع زملائها ضمن مشروع المدرسة لهذا العام وهو تصميم بيروسكوب (منظار الأفق) أو بوصلة ذات قطب فإنها لم تتحول إلى مخترعة صغيرة فقط، ولكنها أصبحت جزءاً من الحل للمشكلة أو للتحدي الذي يواجه ألمانيا في الوقت الراهن، وهو احتمال فقدان ريادتها العلمية في مجال الهندسة. لقرون عديدة كانت ألمانيا تقود العالم في مجال البراعة التكنولوجية والصناعات بدءاً من تصنيع الدراجة إلى تصنيع الثلاجة. ففي القرن التاسع عشر، قام المخترعون ورجال الأعمال الألمان مثل "جوتليب ديمل" و"كارل بينز" و"كارل فيلهلم" بتطوير منتجات وماركات لا تزال تحظى بالشهرة والاحترام حتى وقتنا هذا. ولكن الشيء الذي أثار قلق ألمانيا خلال السنوات القليلة الماضية كان هو إحجام الطلاب الألمان عن دراسة الهندسة، مما جعل ألمانيا تعاني من نقص في المهندسين يبلغ في الوقت الراهن 18 ألف مهندس، وهو عدد يزيد على احتياجاتها من المهندسين العام الماضي بمقدار الثلث، وذلك وفقاً لإحصائيات اتحاد المهندسين الألمان ببرلين. وبسبب خوفها من أن يؤدي هذا النقص إلى تهديد الأنشطة الهندسية الألمانية فإن المشروعات الألمانية تحاول الحد من هذا النقص من خلال القيام بحملة دعائية للتشجيع على دراسة الهندسة بدءاً من مرحلة الروضة وحتى مرحلة الجامعة. حول هذا يقول "ماركوس رويزر" العضو فيما يعرف بـ"تحالف الأعمال الألماني" الذي يضم في عضويته 80 مشروعاً وجامعة، ومعهد أبحاث، وتم إنشاؤه منذ خمسة شهور لملء الفراغ الهندسي: "إن صورة المهندسين لم تكن على هذا القدر من السوء الذي نشهده حالياً". وهذا التحالف يدعم أنشطة المدارس، ويمنح المكافآت للطلاب والتلاميذ الذين يحققون اكتشافات علمية خاصة، كما يقوم بتوفير المنح الدراسية، ويساعد طلاب الهندسة على الحصول على فرص التدريب اللازم في المصانع، كما يساعد الباحثين الصغار على تسويق اختراعاتهم تجارياً. ويقول "رويزر": "إذا لم ننجح في تشجيع شبابنا على الدراسات التقنية، فإننا سنتعرض لخطر فقدان موقعنا كأكبر مصدري البضائع المصنوعة والتقنيات في المستقبل". وأضاف إلى ذلك قوله: "إن الافتقار إلى العدد الكافي من المهندسين هو أكبر مشكلة تواجه ألمانيا في مجال الاختراعات، والتحدي المطروح عليها هو المحافظة على قدراتها الخلاقة. ومشروع التجارب المسمى "أينشتاين الصغير" هو المشروع الرائد الذي جعل تلاميذ مثل "داريا شيرمر" تقوم بزيارة مدرسة عليا لعمل التجارب كل أسبوع والذي يمثل ذروة حملة الدعاية التي يقوم بها التحالف للترويج لدراسة الهندسة ولترسيخ الاهتمام بالعلوم لدى التلاميذ منذ سن مبكرة. حول هذا الموضوع تقول "مونيكا زيلينيويتش"، المُعلمة التي تقوم بتدريس مادة الفيزياء لـ"داريا" في مدرسة "ألبرت اينشتاين" السنوية في ضواحي فرانكفورت التي تشرف على تنفيذ البرنامج المشار إليه: "إن الطلاب غالباً ما يكون لديهم فضول لتعلم أشياء جديدة... ومن المهم أن نجعلهم أكثر حماسة وأن نقنعهم بأن إجراء التجارب العلمية يمثل متعة في حد ذاته. فهذه في رأيي هي الطريقة التي يمكن بها تعزيز دوافع الطلاب لدراسة المواد العلمية والاهتمام بها". والسؤال الذي يتبادر لذهن المرء هنا: ما هو السبب الذي جعل دراسة الهندسة تفقد البريق الذي كانت تحظى به والذي جعل المهندسين الحاليين يعتقدون أنهم قد فقدوا الوضع المميز الذي كانوا يحظون به في السابق. في منتصف عقد الستينيات من القرن الماضي كان 41 في المئة من الألمان يقولون إن الهندسة من المهن التي يحملون الكثير من الإعجاب لها. وفي 2001 لم تزد نسبة من كانوا يقولون ذلك عن 21 في المئة وذلك وفقاً لمصادر اتحاد المهندسين. وفي استطلاع أجراه "معهد الينسباخ للأبحاث"، وهو أكبر معهد لقياس الرأي في ألمانيا، تبين أن وظيفة المهندس تأتي في الترتيب السابع في قائمة تفضيلات الشباب الألماني للوظائف عام 2003، حيث فضل هؤلاء الشباب مهناً أخرى مثل مهن الأطباء وأساتذة الجامعات بل وحتى القساوسة. وقد بدأ جزء من هذا الهبوط لشعبية الهندسة في ألمانيا في فترة السبعينيات عندما نمت حركة حماية البيئة، وبدأ الناس يشككون في تأثير التقنيات التي تزداد نهماً باستمرار لاستخدام الطاقة، على المجتمع والبيئة على حد سواء، وهو ما أدى بشكل تدريجي إلى تضاؤل أهمية الهندسة في نظر الأجيال الجديدة من الألمان، وبالتالي إحجامهم عن الالتحاق بأقسام الهندسة التي أصبحوا ينظرون إليها على أنها تشكل تهديداً دائماً للبيئة مما أدى بالتالي إلى فقدان الهندسة لموقعها المميز في المنظومة التعليمية في البلاد". ويقول مسؤولو اتحاد المهندسين الألمان إن عدد الطلاب الذين كانوا يدرسون الهندسة منذ عشرة أعوام يزيد بمقدار الضعف عن عددهم الآن. وهذه المشكلة ليست جديدة في الواقع، ولكن الأضواء تركزت عليها خلال الربيع الماضي، وذلك عندما أعلنت شركة "ايرباص- ألمانيا" أنها لم تتمكن من العثور على 600 مهندس، وهو العدد اللازم لزيادة إنتاجها من الطائرات خلال العاملين المقبلين. يقول "رويزر" تعقيباً على ذلك إن عدم قدرة ألمانيا على الوفاء بطلبية لشراء هذه الطائرات من الصين، قد مثل صدمة كبيرة للأمة الألمانية". وشركة "ايرباص- ألمانيا" ليست هي الشركة الألمانية الوحيدة التي تعرضت للمشكلات بسبب النقص في أعداد المهندسين المطلوبين، إذ تبلغ نسبة أرباب الأعمال الألمان الذين يقولون إنهم يعانون من هذا النقص حوالى 30 في المئة من مجموعهم الكلي، وذلك وفقاً لنتائج استطلاع أُجرى بواسطة اتحاد المهندسين الألمان. إيزابيلا دي بوميرو كاتبة أميركية متخصصة في شؤون العلوم والتقنية ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"