"راموس هورتا"... ومعضلة الاستقرار في تيمور الشرقية
يضطلع "خوسيه راموس هورتا"، الذي فاز بجائزة نوبل للسلام عام 1996 مناصفة مع الأسقف "كارلوس زيمينيس بيلو" عرفاناً لما بذلاه من جهود في سبيل حرية وطنهما، اليوم بدور المنقذ لبلاده في وقت تهدد فيه تيمور الشرقية بالانزلاق من جديد إلى ما لا تحمد عقباه وذلك بعد أربع سنوات على استقلالها عن إندونيسيا.
كانت تيمور الشرقية مستعمرة برتغالية لقرون عدة، قبل أن يتم غزوها عام 1975 من قبل إندونيسيا. وقبل ذلك بأيام معدودة، فر الشاب الطموح "راموس هورتا" إلى أستراليا، مبعوثاً من قبل النخبة السياسية في تيمور الشرقية ليكون همزة وصل بين البلاد والعالم الخارجي. وقد كان أربعة من إخوان وأخوات "راموس هورتا" التسعة من بين المائتي ألف شخص الذين تقدر منظمة العفو الدولية أنهم قتلوا أو توفوا قبل الأوان خلال فترة الاحتلال.
وعام 1999 كان الحكم الإندونيسي قد أشرف على نهايته عندما سمحت الحكومة لتيمور الشرقية بإجراء استفتاء حول الاستقلال. وقد أثار الاستفتاء موجة من أعمال العنف حيث قتلت المليشيات المدعومة من قبل الجيش الإندونيسي أكثر من ألف شخص ونشرت الدمار والخراب في القرى والمدن. وفي ظل انزلاق تيمور الشرقية إلى الفوضى، أتت الأمم المتحدة وأدارت البلاد لفترت عامين ونصف العام، وهي فترة حافظت فيها على النظام وسعت خلالها إلى تهيئة الظروف لحكم ذاتي.
غير أن الفوضى السياسية وأعمال الشغب عادت هذا الصيف إلى العاصمة "ديلي". وبعد أن أسقطت الاضطرابات الحكومة وكانت على وشك إسقاط البلاد في هوة سحيقة من الفوضى الشاملة، اختار البرلمان "راموس هورتا" رئيساً للوزراء كي يقود البلاد خلال هذه الأوقات الحرجة. وبالرغم من انتقادات خصومه لما يسمونه بالمناورات السياسية التي أفضت إلى تعيين "راموس هورتا"، إلا أن المنتقدين والمؤيدين يتفقون على أنه يمثل الخيار الوحيد لتحمل مسؤولية قيادة البلاد في مفترق الطرق الصعب الذي تمر به. أما رئيس البلاد المحبوب، "خوسي ألكسندر شانانا غوسماو"، الذي قاد مقاومة مسلحة ضد إندونيسيا فيستعد لترك الحياة السياسية.
وبذلك يكون "راموس هورتا" آخر أبطال تيمور الشرقية. وفي هذا السياق، يقول "جيلاسيو داسيلفا"، رجل الدين في تيمور الشرقية: "هناك شخصان فقط على هذه الجزيرة هما اللذان يعرفهما الجمهور ويثق فيهما... وراموس هورتا أحدهما".
ولـ"راموس هورتا" معرفة جيدة بالدول الغنية؛ فبعد هربه من تيمور الشرقية، كرس حياته للدفاع عنها في المحافل الدولية. فمن واشنطن إلى نيويورك إلى جنيف، كان يتقرب من زعماء العالم من أجل الضغط على إندونيسيا. وحالياً وبعيداً عن مكاتب الأمم المتحدة الزجاجية والأرائك الوثيرة في مكاتب أعضاء الكونغرس، يشدد "راموس هورتا" على أنه إذا كان سيشارك في إعادة إعمار تيمور الشرقية، فإنه سيترك الأسفار وراءه.
اليوم، يوجد "راموس هورتا" تحت ضغوط كبيرة من أجل إعادة الهدوء والاستقرار إلى "ديلي". فأعمال الشغب والعنف التي تقف وراءها العصابات والجنود المنشقون، والتي فجرها القرار المثير للجدل الذي اتخذه رئيس الوزراء السابق والقاضي بإقالة 600 جندي متمرد، قلت اليوم كثيراً، ولكنها أودت بحياة ما لا يقل عن ثلاثين شخصاً، وإحراق عدد من المنازل ونهب المكاتب والإدارات الحكومية.
ووسط هذه الفوضى، غامر "راموس هورتا" بالخروج إلى الأحياء والمستشفيات ليلاً في محاولة لتهدئة التوتر. كما أعلن عن عفو عن الأشخاص الذين يلقون سلاحهم، فأعطى رقم هاتفه الشخصي عارضاً جمع الأسلحة بنفسه. وإضافة إلى ذلك، طالب بعودة الأمم المتحدة للمساعدة على توفير الأمن بالبلاد. وخلال الآونة الأخيرة، وجه انتقادات لاذعة إلى المنظمة الدولية، قائلاً إنها تخلت عن تيمور الشرقية بسرعة. ويُذكر هنا أن مجلس الأمن الدولي وافق الأسبوع الماضي على إرسال نحو 1600 شرطي إلى الجزيرة لفترة ستة أشهر على الأقل، غير أنه رفض اعتماد طلب الأمين العام كوفي أنان القاضي بدعم القوة الجديدة بمئات من جنود حفظ السلام.
والواقع أن العديدين من شعب تيمور الشرقية يتوقعون من "راموس هورتا" أكثر من مجرد إحلال السلام والاستقرار بالبلاد؛ إنهم يريدون حياة أفضل. ذلك أنه منذ حصول تيمور الشرقية على استقلالها وسيادتها، لم تحرز الحكومة تقدماً كبيراً على هذا الصعيد. إذ بالرغم من بدء تدفق عائدات بملايين الدولارات، إلا أن البلاد مازالت تعاني من نقص كبير في الأشخاص المؤهلين، حيث تفتقر معظم الوزارات إلى الموظفين الأكفاء والتدريبات اللازمة للنهوض بمتطلبات الإدارة الأساسية.
والحقيقة أنه ليست لـ"راموس هورتا" دراية كبيرة بمتطلبات إدارة الحكومة؛ حيث يعتمد كثيراً في هذا الباب على رئيسي وزراء سابقين من أجل إرشاده خلال المناقشات الأخيرة حول الميزانية في البرلمان. وتقول "آنا بيسوا"، العضو في الحكومة وزوجة "راموس هورتا" السابقة وأم طفله الوحيد: "إنه يتحدث عما يحلم أن تصبح عليه بلاده، وكل ما أتمناه هو ألا تتحول أحلامه إلى كوابيس. لقد طلبنا منه أن يتوقف عن الحلم قبل التأمل والتفكير أولاً لأنك حينما تتحدث على نحو يبعث على الاعتقاد أنك تعد بفعل شيء غداً، فقد يكون الأمر صعباً ومحرجاً حين يأتي الغد"، وأضافت قائلة: "إذا فشل، فليس لنا أحد آخر غيره لنلجأ إليه، ليس لنا أحد غيره".
جويل روبين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مراسلة "لوس أنجلوس تايمز" في ديلي، تيمور الشرقية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"