المجتمع المدني والمجتمع السياسي في العالم العربي
المجتمع المدني في العالم العربي حديث النشأة، فهو لا يرقى إلى أبعد من عقود خمسة أو ستة في بعض المناطق، وربما غدا له وجود وأصبح الكلام عنه ممكناً في مناطق أخرى منذ فترة تقل عن ذلك كثيراً. هو حديث النشأة لأنه ليس للأمر أن يكون كذلك بحكم منطق التاريخ وبحكم طبيعة التكوين الاجتماعي في عالمنا العربي. ذلك أن المجتمع المدني، على النحو الذي ظهر وتطور به في بلدان أوروبا الغربية وفي الولايات المتحدة الأميركية على وجه أخص، كان قد استدعى حصول عدد من التحولات الكيفية في الوجودين السياسي والاجتماعي، تحولات كان عنها، من جهة أولى نشأة المواطن وظهور فكرة المواطنة وميلاد الدولة الحديثة، تلك التي تقوم، في جملة ما تقوم عليه، على التعاقد الاجتماعي ودوران السلطة، وإمكان مراقبتها والاعتراض عليها ابتعاداً بها عن القدسية، وتأكيداً لطبيعتها البشرية التي تبعد بها عن كل معاني الإطلاق، والأبوية والقداسة.
كما كان عن تلك التحولات، من جهة ثانية، ظهور "المجتمع" بحسبانه اجتماعاً لفئات من المواطنين، الأحرار والعقلاء، حول برنامج تعاقدي ضمني حيناً قليلاً وصريح أحياناً عديدة، ومن ثم فإن المجتمع يكون ائتلافاً أو تحالفاً لجملة من المصالح والروابط البشرية التي تغيب عنها الطبيعة القدسية التي حاولت الدولة الثيوقراطية في العصور الوسطى الطويلة، إلصاقها بها، بكل سبب وترتسم بها الحدود بين الدولة (تنظيماً للحكم، والإدارة، وامتلاكاً لأدوات القمع، وتجسيداً للنظام والعقل، وترجمة لإرادة المواطنين الأحرار الذين يقبلون أن تكون لهم ضابطاً ومعبراً عن حريتهم في الوقت ذاته -وتلك روح فلسفة "التعاقد الاجتماعي")، وبين المجتمع (باعتباره، كما ذكرنا، ائتلافاً لمصالح وروابط وتعبيراً عن "المواطنة" -ومن ثم الابتعاد عن القبلية، والعشائرية، وكذلك التفريق بين الأفراد- في المجتمع الواحد وفي الدولة الواحدة على أساس العرق أو الدين أو التفاوت في الملكية وما إلى ذلك). وإذا كان بعض المثقفين العرب يجنحون إلى القول إن العالم العربي قد عرف "المجتمع المدني" بصفة مبكرة، ويحتجون لذلك بنظم الأوقاف وترتيب الحِرف وأشكال الوجود الأهلي عامة، فإن الأمر، لو أعملنا الفكر وانتبهنا إلى الدلالة الحق التي نفهم بها المجتمع المدني في وجودنا العربي المعاصر، لا يعدو، في أقصى الأحوال، ظهور إرهاصات أولية وتوافر بيئة طبيعية جعلت ظهور ذلك المجتمع ممكناً. وهل نغفل القول إن العشائرية ورواسب الروح القبلية وضعف رابطة المواطنة، أمور ليس من شأنها أن تجعل عمل وتطور المجتمع الذي يتحدث عنه ممكناً؟
على أن المجتمع المدني أضحى له، بشكل يكاد يكون مفاجئاً، حضور قوي في الوجود العربي: قوي كماً أحياناً كثيرة وقوي كيفاً حيناً قليلاً. ذلك أن جمعيات المجتمع المدني تعد، في عدد كبير من البلاد العربية بالآلاف، ولا نظن أن بلداً عربياً واحداً يخلو من تلك الجمعيات على كل حال. وفي المغرب، على سبيل المثال، تعد تلك الجمعيات بعشرات الآلاف ولربما بلغ نشطاء تلك الجمعيات، من حيث العدد، ما يفوق المنتسبين إلى الأحزاب السياسية التقليدية والجديدة التي تعرفها الساحة السياسية. من جهة ثانية نجد لجمعيات المجتمع المدني (ولا أزال أتحدث عن حال المغرب على سبيل المثال لا الحصر) حضوراً قوياً في المحافل الرسمية وليس الشعبية فحسب، ولقد أصبح من المعتاد اليوم أن يقال عن النشاط الرسمي الفلاني إنه حضرته فعاليات عديدة من المجتمع المدني. بل إنني أود أن أذهب أبعد من ذلك، فأذكر أن من الدولة إرادة سياسية، واضحة ومعلنة، لإشراك المجتمع المدني في مشاريع ذات أبعاد اجتماعية تسعى إلى رعايتها وإلى اتخاذ مبادرات فيها، وذلك هو الشأن في هذا "الورش الاقتصادي الاجتماعي الكبير"، الذي أعلن الملك محمد السادس عن انطلاقه، منذ أزيد من سنة واحدة تحت مسمى "المبادرة الوطنية للتنمية البشرية"، ويحرص على متابعة أنشطته في حضور قوي، يحاط بكل ما يلزم من الدعم الإعلامي ربما كان في أحايين عديدة حضوراً ملكياً شخصياً يومياً.
هذا الحضور القوي للمجتمع المدني في العالم العربي، يطرح جملة أسئلة، ويستدعي التفكير في عدة قضايا مهمة وشائكة في الوقت ذاته، هل يمكن الكلام عن منافسة قوية، (وأرجو أن نجعل المغرب مثالاً للتأهل ومادة له) بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي؟ هل هنالك إرادة لإحلال الأول مكان الثاني؟ وما معنى تلك الإرادة، إن وجدت (وأماراتها موجودة في كل حال)؟ ولعل السؤال الجامع الذي يختصرها تمكن صياغته على النحو التالي: هل يمكن لحياة سياسية طبيعية، ولوجود سياسي يتطلع إلى الديمقراطية نظاماً ومثلاً أعلى في ذاته، أن يفكر في إقصاء المجتمع السياسي من الفعل السياسي الواقعي والواضح والمقبول قانوناً، وهل يقبل من هذا الوجود أن يسهم في بث الغموض وخلط الأدوار في عمل كل من المجتمع المدني والمجتمع السياسي؟ تلك قضية أخرى يستدعي البحث فيها قولاً مفرداً.
د. سعيد بنسعيد العلوي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أستاذ الفلسفة والفكر السياسي