الفيدرالية هي الحل لكثير من المشكلات
ربما يكون قد آن الأوان لنبحث عن حلول لمشكلاتنا المزمنة بدلاً من أن نظل أسرى جلْد الذات، والبكاء على أطلالها، ومطالبة غيرنا بحلها، لذا فإن مقالنا هذا محاولة لطرح أحد الحلول المتاحة لبعض هذه المشكلات، الأمر الذي نعتقد إنه ربما يثير النقاش حولها، إذا فرضنا جدلاً أن أحداً يقرأ ما نكتب وحاول أن يدرك ما نسعى إلى طرحه، أو في حال أردنا أن نكون واقعيين ونسعى بصدق وجدية إلى حل كثير من مشاكلنا التاريخية المعلقة من المحيط إلى الخليج، مثل: السودان ودارفور، والمغرب والبوليساريو، والعراق والأكراد، ولبنان و"حزب الله"، وكذلك وضع نهاية لمعاناة أية أقلية أو أكثرية تشعر بالظلم داخل إحدى الدول العربية.
ربما تكون الفيدرالية هي الخيار الأمثل لهذه القضايا والأزمات، ولكن يجب في البداية أن نصوغ تعريفاً واضحاً للفيدرالية التي نعنيها، فهي ليست فيدرالية مستوردة أو تركيبة علاجية سياسية سابقة التجهيز. كما أنها ليست غربية أو شرقية، ولكنها فيدرالية واقعية وعملية وصادقة، تتوافق مع الظروف والمتغيرات التي تواجهها الحكومات العربية المتعثرة في التصالح مع مجتمعاتها.
ومن المعروف أن النظام الفيدرالي هو أحد أنظمة تكوين الدول في العالم، حيث يقطن اليوم ما يقارب نحو 40% من سكان العالم في أكثر من 25 جمهورية فيدرالية واتحادية، ومن أمثلتها كندا وماليزيا والمكسيك وروسيا والولايات المتحدة الأميركية وسويسرا والهند وألمانيا، وغيرها من الدول، وبالطبع الفيدرالية العربية الناجحة عبر 35 عاماً: الإمارات العربية المتحدة.
والنظام الفيدرالي الذي نطرحه هو الحل المناسب للدول والشعوب العربية التي تتصف بمعادلات مُعقدة من التنوع العرقي والمذهبي والتركيبة السياسية المتعددة الميول والاتجاهات المعارضة. إنه رابطة طوعية بين أمم وشعوب وأقوام عربية تكفل التعايش الإنساني فيما بينهم، القائم على الوحدة والتعاون والتوافق والهدف والمصير المشترك، والذي يضمن حقوق الأقلية والأكثرية معاً في إطار نسيج المجتمع المتكامل، وفي ظل ترسيخ مفهوم المواطنة والشراكة في الوطن، ويضمن عدالة توزيع الثروة القومية ولا يسمح لفئة بالسيطرة عليها. وهو نظام تتساوى فيه الحقوق والواجبات، ويضمن الحفاظ على الهوية الوطنية والانتماء الوطني، ويضمن وجود حكومة وحدة وطنية مركزية قوية، والنمو المستدام المتساوي في الفيدراليات، ويعترف بالتنوع العرقي والطائفي والمذهبي لعناصر تركيبة المجتمع، ولكن لا يسمح بأي انفصال أو استقلال لأي منها عن الدولة الأم، وتؤدي المؤسسات فيه دورها في ظل حكم الجماعة بصورة أفضل وأكثر عدالة في ظل سيادة القانون والرقابة الدستورية، مع احتفاظ الكيانات المتحدة بهويتها الخاصة من حيث التكوين الاجتماعي واللغة والثقافة والدين والتقاليد.
وللنظام الفيدرالي أسباب ومبررات عديدة غايتها الأولى صنع التعددية والمشاركة الفاعلة الحقيقية في الحياة السياسية بصورة ديمقراطية وعادلة بعيداً عن التفرد في الحكم وتركيز السلطات بيد شخص أو مجموعة تنتهك القانون وتهدر الحقوق.
والدولة الفيدرالية لا تؤسس بموجب معاهدة أو ميثاق بل بموجب الدستور، لأن الرابط بين الشعوب الواحدة والمتوحدة لا يتم وفق اتفاقيات وبروتوكولات، بل ينظمه دستور وطني ينبع من داخل عناصر هذا الشعب ولصالحه ووفق قناعته وبإرادته الكاملة، ويجمع بين التوافق والاتفاق في مواجهة الخلاف والفرقة، وبين الاندماج في مواجهة الاستقلالية والانفصال، وبين المركزية واللامركزية، ويناهض التجزئة والانقسام ويدفع في اتجاه التكامل والوحدة. إذن الفيدرالية التي نعنيها ليست بنية سياسية فقط، ولكنها بنية متكاملة اقتصادية واجتماعية وثقافية وأمنية، تفرض تعاوناً وثيقاً بين سائر المؤسسات والجماعات والأفراد في الكيان الفيدرالي، وتحتاج إلى التماسك في مواجهة التحديات والمخاطر، وتعمل على تعزيز الشفافية، وإعلاء كلمة الوطن ومصالحه العليا؛ على المصالح الذاتية والطموحات الشخصية.
وتتسم الفيدرالية التي نعنيها بوحدة الشراكة في الوطن، ووحدة إقليم الدولة، ووحدة رموزها من علم وسلطة مركزية وموازنة عامة وعملة نقدية ومؤسسات عسكرية وأمنية وشرطية وقانون وسلطة قضائية وغيرها من الأمور التي تؤكد عمق المواطنة وتعلي من الهوية الوطنية.
إن نظرة عامة على ما يحدث في كثير من الدول العربية التي ربما تفتقر حالياً إلى سمة الدولة، وسقط بعضها والبعض الآخر في الطريق؛ في صراعات داخلية تعصف بوجودها ووحدة كيانها كدولة، يجعلنا نرى أنها في حاجة ماسة إلى "الفيدرالية" الحقيقية التي تتوافق معها.
فالعراقيون مدعوون اليوم للاتفاق على الفيدرالية الحقيقية، وليس تلك التي تسعى إليها القوى المتآمرة على مستقبل وحدة الشعب العراقي، وتركز فقط على مصالحها الذاتية ورؤاها الخاصة، وليست التي يهدف إلى تحقيقها أمراء الحرب ومقاولو القتل وتجار الفتنة. وهذا الأمر يفرض ضرورة قصوى لسرعة إعادة النظر بشفافية وصدقية كاملة في الدستور العراقي الحالي، والاستفادة من تجارب الآخرين في بناء فيدرالية تضمن الحقوق وتكرس الثروات لجميع أطياف الشعب العراقي؛ ولا تسمح لطائفة بتكرار نظام "إسبارطة صدام حسين الديكتاتوري"، بنفس قدر عدم سماحها بظلم أية فئة على حساب الأخرى. بل تسعى إلى تخفيف الآلام وتضميد الجروح السياسية والتاريخية التي أصابت عنصر التركيبة الاجتماعية العراقية، وتتغلب على روح الانتقام والتصفيات الطائفية التي تجري حالياً على أرض العراق، وتقضي على "الحرب بالوكالة" التي تجري هناك.
أما لبنان فهو مدعو أيضاً اليوم، وقبل أي وقت مضى، ليضع حلاً نهائياً وشاملاً ومستمراً لطبيعة النظام السياسي للدولة، لتخرج من النفق المظلم الذي دخلته رغماً عنها. وربما تكون الفيدرالية هي الحل المناسب للصراع السياسي الداخلي الذي سمح لقوى خارجية أن تتدخل وتحاول تفكيك لبنان أو إغراقه في حرب أهلية، وبعد أن قرر أبناؤه أن "يتفقوا على ألا يتفقوا"، وتظل دائماً نيران الطائفية تحت الرماد تنتظر من يصب الزيت عليها. لماذا لا يجلس عقلاء لبنان وقواه الوطنية المخلصة لطرح دستور وطني جديد يعالج كافة المشكلات السياسية والطائفية الداخلية في لبنان، ويضع حداً نهائياً وفاصلاً للصراعات الداخلية الدائرة، ويحرم أية أيدٍ خارجية من النيل من وحدة لبنان، ويضع حداً لمعاناة شعبه.
أما السودان الذي لا يزال يبحث عن صيغة مناسبة للتعايش السلمي بين عناصر تركيبته المُعقدة، والذي عانى من تجاربه في الحكم الذي ظل لعبة بأيدي "هواة السياسة" وأصحاب فكر "تديين" نظام الحكم، فإنه في أشد الحاجة لإعلان "الفيدرالية" نظاماً يسمح بالتعايش السلمي بين الجميع، ويعيد بناء اللحمة التي انقطعت بين طوائف الشعب وكياناته المختلفة، ويقضي على الصراع في الجنوب وينهي مشكلة دارفور التي لا تزال تدل على العجز في حلها "سودانياً" وإقليمياً ودولياً.
ربما تكون الفيدرالية هي الحل المناسب لكثير من الشعوب العربية، بدلاً من الدعوات المستمرة له لأن يعيش الشعب في الشارع كلما واجهته أزمة داخلية بين تركيبته المجتمعية، فالشعب اللبناني سواء من المعارضة أو الموالاة يقيم في الشارع منذ فترة للاستجابة لمطالبه، والشعب العراقي منتشر في الشارع جثثاً وأشلاءً ومصابين من كل الأطياف ينتظر الحل، والشعب الفلسطيني بات مدعواً إلى الشارع لحل أزمته السياسية والاقتصادية الطاحنة، والخروج من الحصار، بعد أن عاش سنين يكافح ليعود إلى وطنه، بينما شعب دارفور السوداني يعيش في الشارع يبحث عن المأوى الآمن ولقمة العيش الكريمة... لقد آن الأوان ليعود الشعب العربي إلى دياره وهو يمتلك الحق بل كل الحق في وطنه.