كيف يجب تقييم سياسة الولايات المتحدة ضد الإرهاب بعد مرور خمس سنوات على الحادي عشر من سبتمبر؟ بعد مرور خمسة أعوام تقريباً على أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ورغم النجاح المتواضع الذي تحقق في مجال مقاومة الإرهاب، فإن العالم أصبح اليوم مكاناً أكثر خطراً وأقل أماناً مما كان عليه من قبل. ويمكن القول إن الأكلاف البشرية والاقتصادية التي تكبدناها في هذا المجال يمكن تبريرها بالكاد خصوصاً على ضوء النتائج المتواضعة التي تحققت: فالولايات المتحدة لم تنجح في القبض على قيادات نظام "طالبان" ومنظمة "القاعدة"، وحكومتا أفغانستان والعراق ضعيفتان. فالبنسبة للأولى لا تكاد سلطة "حامد كرازاي" تتجاوز حدود العاصمة "كابل"... أما العراق فهو على حافة- إن لم يكن في وسط- حرب أهلية حيث ارتفع منسوب العنف والإرهاب، وتزايدت أعداد القتلى والمصابين بوتيرة سريعة، وأصبح الشعب العراقي أقل أماناً وأقل رفاهية وأكثر افتقاراً إلى المرافق والخدمات اليومية الأساسية كالماء والكهرباء والوقود والطعام والتعليم... مقارنة بما كان عليه قبل الغزو الأميركي. ورغم أن أميركا أصبح ينظر إليها الآن، كجزء من المشكلة وليس من الحل، فهناك مخاوف مؤداها أنه بدون تواجد قوي للقوات الغربية في العراق فإن الأمور يمكن أن تزداد تفاقماً. علاوة على ذلك نجد أن الاستهانة بالقانون الدولي في أبوغريب وجوانتانامو، وتسليم المساجين إلى دول يتعرضون فيها لألوان التعذيب، وتآكل الحريات المدنية في الداخل الأميركي... كلها عوامل أثرت على صورة أميركا سلبياً، كما قلصت مصداقيتها في العالم وجعلت من معاداة أميركا ظاهرة عالمية لا تقتصر فقط على العالم الإسلامي الذي تنظر شعوبه إلى غزو أفغانستان والعراق على أنه يمثل حرباً على الإسلام والعالم الإسلامي وليس حرباً ضد الإرهاب العالمي كما ادعت واشنطن. بل قد تبيَّنَ أن نسبة كبيرة ممن استطلعت آراؤهم في العديد من البلدان ينظرون إلى الولايات المتحدة على أنها دولة متغطرسة، عديمة الرحمة، وتشكل خطراً على السلام العالمي بأسره. ورغم الوعود التي قطعتها الولايات المتحدة على نفسها، فقد أخفقت في تحقيق ما تعهدت به عند بداية غزوها للعراق، خاصة لجهة إقامة أنظمة ديمقراطية في الشرق الأوسط، وإعادة تنشيط "خريطة الطريق". بل أفسحت الولايات المتحدة المجال للجيش الإسرائيلي للتصرف بحرية في حربه ضد العرب في غزة ولبنان، كما أن إقدامها على شحن القنابل العنقودية إلى إسرائيل في الأيام الأولى لحربها على لبنان الصيف الفائت، وإقدامها كذلك على قطع المساعدات عن الحكومة الفلسطينية بقيادة "حماس" رغبة في إضعافها... عوامل ساعدت على مزيد من التقويض لمصداقية الولايات المتحدة وسلطتها المعنوية في العالم. فما هي إذن فرص نجاح الولايات المتحدة في الحيلولة دون وقوع "حادي عشر من سبتمبر" آخر؟ لكي تكون لدى الولايات المتحد فرصة للنجاح، فهي تحتاج إلى إدارة جديدة وإلى رئيس جديد، سواء أكان "جمهورياً" أم "ديمقراطياً"، يكون لديه الاستعداد لتبني سياسات خارجية جريئة. لكي تكون هناك فرصة للنجاح، فعلى الرئيس الجديد أن يقوم بما لم يقم به أي رئيس أميركي آخر منذ عهد "دوايت إيزنهاور"، ألا وهو اتباع سياسة عادلة ومنصفة تجاه أطراف الصراع في الشرق الأوسط. ولن يعني هذا مجرد الاكتفاء بدعم وجود وأمن إسرائيل، أو إنشاء وضمان أمن دولة فلسطينية قادرة على البقاء، وإنما يعني أيضاً أن تكون منصفة في انتقاد الإرهاب سواء أكان مرتكباً من قبل المنظمات الفلسطينية أو من جانب الجيش الإسرائيلي؛ فالإرهاب هو الإرهاب في جميع الحالات. علاوة على ذلك ستكون الإدارة وحزبها بحاجة إلى الارتفاع فوق مستوى مخاوف السياسيين، وفوق ضغط العديد من الجماعات التي تدعم إسرائيل. ويذكر في هذا السياق أن السفير "ريتشارد هاس" عندما كان يشغل منصباً رفيعاً في وزارة الخارجية الأميركية أثناء إدارة جورج بوش الأب، كان قد تحدث عما أطلق عليه سياسة "الاستثنائية الديمقراطية" والتي كان يقصد بها إخفاق جميع الإدارات الأميركية في دعم الديمقراطية في الشرق الأوسط رغم محاولاتها في هذا المجال. واستشهد "هاس" في هذا الخصوص بالقرار الذي اتخدته الإدارة في الفترة التي سبقت شن الحرب على العراق، بترويج الديمقراطية في المنطقة بأسرها ثم كيف عجزت عن تحقيقه. والإدارة المطلوبة ستضطر أيضاً إلى التخلي عن سياسة" استثناء إسرائيل"، بل يجب أن تخضعها لنفس المعايير التي تطبقها على باقي دول المنطقة، وأن تحملها على الالتزام بالقرارات الدولية. وستكون السياسة الأميركية بحاجة لأن تصبح أكثر نقدية، وأكثر إنصافاً وعدلاً، وأقل تأثراً بضغوط اللوبيات المحلية، والمشاغل السياسية الآنية. وأن يكون معيارها الوحيد هو ذلك الخاص بتحقيق المصالح الأميركية، داخلياً وخارجياً. إن أي إدارة جديدة ستكون بحاجة إلى أخذ دليل عملها من إدارة بوش فيما يتعلق بتوظيف الاستراتيجيات العسكرية والاقتصادية، واستراتيجيات السياسة العامة في مجال محاربة الإرهاب. بيد أن مثل تلك الإدارة ستجد نفسها مضطرة أيضاً للاهتمام بآراء الخبراء العسكريين الذين يرون أنه في حين أن القوات المسلحة الأميركية قادرة على قتل وأسر واحتواء الإرهابيين، فإن الجيش (القوات البرية) ليس مؤهلاً لخوض حرب ضد الإرهاب على امتداد العالم. فالمحاولات الرامية للحد من نمو الإرهاب، تتطلب برنامجاً قوياً للدبلوماسية العامة من أجل كسب العقول والقلوب، وكذلك برامج للشؤون العامة، كبرامج التبادل وبرامج التعليم وما إلى ذلك مع الدول الأخرى، وذلك من أجل تعزيز الفهم المتبادل، كما يتطلب أيضاً استخدام عناصر السياسة الخارجية. فقضية العداء لأميركا "لا تتعلق بمن نحن بقدر ما تتعلق بما نفعل". إن تلك الإدارة ستكون بحاجة للاستماع إلى صوت ما يزيد عن 1.3 مليار مسلم، وإلى عدم الاعتماد فقط على العقائديين (المحافظين الجدد، والمسيحيين المتطرفين، والقادة السياسيين اليمينيين وخبراء الإسلامو فوبيا، والمعلقين السياسيين...) وكذلك الزعماء الحلفاء الأوتوقراطيين المسلمين الذين يستخدمون الحرب كستار دخان لتحقيق مزيد من السيطرة وممارسة مزيد من القمع ضد المعارضة. على الولايات المتحدة أن تكون أكثر قدرة على الابتكار والإبداع في سياساتها الخارجية، بمعنى أنها يجب أن تعزز مفهوم تقرير المصير الحقيقي، وليس مفهوم الديمقراطية التي تتطلب تصديقاً أميركياً... وأن تضغط على حلفائها الأوتوقراطيين في الشرق الأوسط كي يصلحوا أنظمتهم، كما أنه عليها أن تحقق مزيداً من تقاسم المسؤولية والشراكة مع الأوروبيين والعرب والدول الإسلامية الحليفة من أجل تقديم مساعدات اقتصادية وتعليمية لتحقيق التنمية. وفي الوقت نفسه، يجب على الولايات المتحدة وحلفائها الأوربيين أن يعملوا على التمييز بشكل أكثر حسماً بين المسلمين المعتدلين والمسلمين المتطرفين، وبين بعض الأنشطة الإسلامية وبعضها الآخر، وأن تمتلك الرغبة في العمل والتعاون مع المعتدلين الإسلاميين. علاوة على ذلك يجب على الولايات المتحدة، أن تتوقف عن التعامل بمعايير مزدوجة، سواء فيما يتعلق بترويج الديمقراطية، أو فيما يتعلق بالالتزام بالقانون الدولي، وأن تعمل على استخدام الدبلوماسية وليس التهديد العسكري في التعامل مع إيران وسوريا، كما فعلت ذلك بشكل ثابت مع كوريا الشمالية!