"كباش الفداء"... مسلسل متواصل في السياسة الأميركية
كان مدير المكتب د. كايل سامبسون هو" أنسب رجل للوظيفة" هكذا كان رئيسه السابق وزير العدل "ألبيرتو جونزاليس" يشير إلى المهمة التي قام بها "سامبسون" وهي رصد الأشخاص "ذوي الأداء الضعيف" في مكاتب المدعين العامين في جميع أنحاء الولايات المتحدة.
ولكن بعد أن تعرض وزير العدل "جونزاليس" إلى العديد من الانتقادات بعد إقالة ثمانية من المدعين الفيدراليين من الخدمة، لم يجد من هو أنسب للمهمة مرة ثانية من "سامبسون" بعينه، بيد أن المهمة هذه المرة كانت مختلفة إذ كان مطلوباً منه أن يقوم بدور "كبش الفداء". وهكذا فإن الرجل اضطر للاستقالة الأسبوع الماضي، دون أن تُتاح له فرصة كافية لعمل الترتيبات اللازمة لإيجاد وظيفة بديلة في القطاع الخاص، أو لإيجاد سبب وجيه يبرر به استقالته للمحافظة على ماء وجهه على الأقل.
إن الكثيرين ممن عملوا في الحكومة ومشوا في أروقتها وقاعاتها قد كذبوا فيما يتعلق بعلاقاتهم الجنسية،أو بتلقيهم -أو تلقيهن- هداياً أو معاطف فراء كرشاوى، وحاولوا دائماً أن ينكروا أنهم قد طردوا بسبب الأعمال المشينة التي ارتكبوها أثناء خدمتهم، ولكن تعبير "كبش الفداء"، وهو بالمناسبة تعبير مستعار من الفضاء الأدبي، فهو يعني تعريفاً شخصاً مسؤولاً -ليس بالضرورة المدير العام- يكون لديه قدر من السلطة يكفي لأن يدعي أن جزءاً من مسؤولية خطأ معين تم ارتكابه يقع عليه، ويمكن أن يقوم هو بنفسه بإعلان تحمله للوم والمسؤولية كما يمكن لآخر أو لآخرين -غالباً أعلى درجة منه- أن ينسبوا إليه اعترافاً بأنه قد ارتكب هذا الخطأ أو أنه يعد مسؤولاً عنه.
وفيما يلي قائمة تتضمن أسماء عدد من المسؤولين الذين اضطروا للعب دور "كبش الفداء" أو فرض عليهم القيام بهذا الدور فرضاً:
الميجور جنرال (اللواء) "جورج دبليو ويتمان": الذي أقيل من الخدمة في أعقاب ما تكشف من حقائق عن ظروف الرعاية الطبية التي تعتبر دون المستوى اللائق في "مركز والتر ريد الطبي العسكري"، وقد جاءت هذه الإقالة على رغم أنه لم ينقض على توليه قيادة هذا المركز سوى ستة شهور، وهو ما دفع النائب الجمهوري "بيل يونج" إلى أن يقول عن ويتمان: "أنا لا أعرفه شخصياً... ولكني أعرف أنه الرجل الذي وقع عليه الاختيار ليكون كبش الفداء في هذا الأمر".
"سكوتر ليبي": منذ إدانته فإن هذا الرجل كان هو الوحيد الذي تعرض للحساب في قضية تسريب معلومات "السي.آي.إيه". وكل شخص بدءاً من السيناتور الديمقراطي "تشارلز ئي. تشومبر" وانتهاء بأعضاء هيئة المحلفين الذين أدانوا هذا الرجل الذي كان يعمل مديراً لمكتب نائب الرئيس ديك تشيني، قالوا إنه كان "كبش الفداء" في هذه القضية.
"مايكل براون": الذي انتقل من عالم الخيول العربية إلى رئاسة
"وكالة إدارة الطوارئ الفيدرالية"، فهو الذي تحمل الجزء الأكبر من الغضب الشعبي على تعثر الإدارة في جهود إصلاح الأضرار التي أحدثها الإعصار "كاترينا"، ثم سرعان ما اضطر إلى الاستقالة بعد ذلك.
وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد: كان رامسفيلد قد أدلى بتصريح قال فيه إنه يتحمل المسؤولية الكاملة عما حدث من انتهاكات في معتقل "أبوغريب" العراقي، وعلى رغم ذلك، فإن الذي تحمل المسؤولية الفعلية كانت البراجادير جنرال (العميد) "جانيس إل. كاربينسكي" التي تصادف أنها كانت صاحبة أكبر رتبة بين العسكريين المشرفين على ذلك، حيث عوقبت بتنزيل رتبتها إلى رتبة كولونيل (العقيد).
"روجر سي. أولتمان" لم يكن هو المسؤول الوحيد في إدارة الرئيس السابق بيل كلينتون الذي يتقدم باستقالته خلال ما عرف بفضيحة
"وايت ووتر"، ولكن هذا الرجل الذي كان يشغل منصب نائب وزير الخزانة، كان هو الذي خاض أشرس قتال من أجل المحافظة على وظيفته، معلناً طيلة الوقت أنه لن يسمح للآخرين باستخدامه ككبش فداء لأخطاء الإدارة الأميركية.. غير أنه اضطر إلى الاستقالة في النهاية بحجة أنه فعل ذلك لأنه كان يريد التخفيف من حدة الجدل الدائر حول تلك الفضيحة التي كادت تطيح برئيسه نفسه.
"أوليفر نورث" و"جون بوينديكستر": بطلا الفضيحة التي طالت إدارة الرئيس الأسبق "رونالد ريجان" والتي عرفت باسم فضيحة "إيران- كونترا". كان الرجلان يعملان كمساعدين لريجان لشؤون الأمن القومي، وهما اللذان تحملا على عاتقهما عبء تلك الفضيحة عندما خرجت تفاصيلها للعلن. وفي العديد من المرات بعد ذلك كان "أوليفر نورث" يشير إلى نفسه على أنه كان كبشاً للفداء وهو ما أضفي نوعاً من التكريم على هذه الوضعية.
بمقدوري أن أسرد عشرات الحالات التي استخدمت فيها الإدارات الأميركية المتعاقبة عبر التاريخ "كباش فداء"، ولكن قيود المساحة هنا قد تحول دون ذلك.. لذلك فإنني سأكتفي بإنهاء هذه القائمة بفضيحة شغلت اهتمام الرأي العام الأميركي إبان حدوثها ولا تزال تشغل الاهتمام حتى الآن ألا وهي فضيحة "ووتر جيت" التي تكشفت بعد أن ثبت قيام رجال تابعين للحزب "الجمهوري" بالتجسس على مقر الحزب "الديمقراطي" في مبنى يحمل هذا الاسم
(ووتر جيت). يمكن القول إن الجميع قد سقطوا بعد أن تكشفت وقائع تلك الفضيحة ولكن كان من أوائل هؤلاء "هربرت بورتر" الذي كان يعمل مساعداً في حملة إعادة انتخاب الرئيس الثانية و"جيب ستيوارت ماجرودر" الرجل الثاني في تلك الحملة، وذلك قبل أن يتم إجبار" إتش. آر. هالدرمان" مدير مكتب الرئيس، ومستشاره "جون دي. إهرليشمان" على الخروج لاحقاً ولكن ذلك الخروج لم يتم قبل أن يدلي الرئيس نيكسون نفسه بتصريح قال فيه "إنهما من أفضل الموظفين العموميين الذين أسعده الحظ بمعرفتهم"، هكذا ضحى بهما نيكسون بتصريح لجبر خاطريهما قبل أن يضطر هو نفسه إلى الاستقالة بعد ذلك جراء تداعيات الفضيحة.
ــــــــــــــــــــ
كاتبة ومحللة سياسية أميركية
ــــــــــــــــــــ
ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"