تقسيم العراق وتفتيت المنطقة
لم يكن قرار تقسيم العراق إدارياً على أساس طائفي بحيث سصبح ثلاثة أقاليم، شيعي وسني وكردي، والذي قدمه السيناتور "الديمقراطي" والمرشح المحتمل لانتخابات الرئاسة الأميركية القادمة "جوزيف بايدن"، الى مجلس الشيوخ الأميركي ليصوت عليه المجلس يوم الأربعاء 26/9/2007... مفاجأة، وذلك لأن هذا القرار الخطير يأتي ضمن مشاريع عديدة تم التخطيط لها منذ بداية القرن العشرين في إطار استراتيجية لتفتيت العالم العربي والإسلامي الى دويلات صغيرة طائفية وعرقية لخلق كيانات سياسية مجزأة ومفككة وضعيفة وغير قادرة على إنجاز أهدافها الوطنية. وسأكتفي هنا بأهم المشاريع التي تؤكد حقيقة هذا التوجه الغربي.
أولاً: مشروع "بانرمان" الذي تولى رئاسة الحكومة البريطانية بعد سقوط "المحافظين" عام 1907 والذي نقل تفاصيله الدكتور أحمد نوفل في كتابه "دور إسرائيل في تفتيت الوطن العربي"، حيث كان بانرمان يدعم فكرة إنشاء جبهة استعمارية موحدة من بريطانيا وفرنسا وبلجيكا وهولندا والبرتغال وإيطاليا وإسبانيا، ولذلك شكل لجنة أوروبية تضم أهم المؤرخين وعلماء الاجتماع والسياسة والجغرافيا والاقتصاد، وطلب منهم مقترحات للحيلولة دون سقوط الاستعمار الأوروبي وانهياره أو تأخير مصيره. وقد خرجت اللجنة بمجموعة توصيات أهمها:
1 - التأكيد على أن من يسيطر على البحر المتوسط يستطيع التحكم في العالم، فهو الشريان الحيوي للاستعمار عبر العصور والجسر الذي يربط الشرق والغرب وملتقى الطرق التجارية.
2 - إن السكان العرب في هذه المنطقة تتوافر فيهم وحدة التاريخ والدين واللغة والثقافة وسائر مقومات الوحدة وأسباب القوة والنهوض، لكن ذلك لو حدث سيمثل ضربة قاضية لمصالح الامبراطوريات الاستعمارية. لذلك وضعت اللجنة مجموعة كبيرة من الوسائل والسياسات؛ منها استمرار العمل بكل الوسائل على تفكيك المنطقة والفصل بين مكوناتها، وهي وسائل لا زال بعضها يؤدي عمله منذ تلك الحين وللهدف نفسه.
ثانياً: اتفاقية "سايكس- بيكو" المعروفة، والتي كانت أول مخطط تفتيتي مباشر استهدف العرب.
ثالثاً: المشروع الصهيوني الذي تمثل في بناء "وطن قومي لليهود" في قلب الوطن العربي، لينسجم تماماً مع المصالح الاستراتيجية للاستعمار الغربي في المنطقة، وبحيث يتمكن من إحداث الفتن والصراعات والانقسامات والحروب داخل المنطقة، ومن ثم مراقبتها والسيطرة عليها.
رابعاً: مشروع برنارد لويس: وهو مشروع لتقسيم المنطقة العربية والإسلامية الى دويلات طائفية وعرقية صغيرة لحماية مصالح الغرب والكيان الصهيوني، وذلك من خلال تجزئة العراق الى ثلاث دول (كردية، وسنية، وشيعية)، وتجزئة سوريا الى ثلاث دول أيضاً (درزية، وعلوية، وسنية)، وتجزئة الأردن الى كيانين أحدهما للبدو والآخر للفلسطينيين، وتجزئة المملكة العربية السعودية الى عدة كيانات، وتجزئة لبنان الى دويلات مسيحية وسنية وشيعية ودرزية وعلوية، وتقسيم مصر الى دولتين إسلامية وقبطية، وفصل جنوب السودان عن شماله، وتوحيد بربر المغرب العربي في دولة جديدة، وتجزئة إيران وباكستان الى عدة دول...
خامساً: الدعوات والمخططات الإسرائيلية الداعية إلى تفتيت الوطن العربي وتجزئته.
ويمكن أن نشير إلى الندوة التي عقدت في "مركز دايان لأبحاث الشرق الأوسط وأفريقيا" التابع لجامعة تل أبيب عام 1990 تحت عنوان "تفتيت المنطقة العربية"، وإلى ندوة نظمتها جامعة بارايلان الإسرائيلية عام 1992 وأوصت بزيادة تكثيف الجهود لتفتيت الدول العربية، وإلى ما قاله شيمون بيريز رئيس إسرائيل من أنه "لكي نكون قوة سياسية في الشرق الأوسط، يجب أن تتسع الخلافات بين العرب. وكذلك التحذير الذي وجهه الصهيوني جابوتنسكي في كتابه "تركيا والحرب" إلى أوروبا من الإسلام وقيام وحدة بين العرب، باعتبار أن ذلك، لو حدث، سيهدد الوجود الأوروبي.
نحن إذن أمام مسار جاء القرار الأخير الصادر من الكونغرس الأميركي ليتوجه، وهي تحديات تتطلب من العرب والمسلمين أن ينتبهوا وأن يقفوا صفاً واحداً في مواجهتها بكل الوسائل، لأن الهدف النهائي هو تفتيت المنطقة وإضعافها وتمزيق هويتها، أي تهديد وجودها ذاته.