تبذل المملكة المتحدة والمجتمع الدولي جهوداً كبيرة دعماً لجهود الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة لضمان نجاح المحادثات الهامة في ليبيا بين الحكومة السودانية وحركات التمرد في دارفور. تتمتع المملكة المتحدة والسودان بعلاقات تعود جذورها إلى وقت طويل، وتربطهما العديد من الروابط المشتركة. لم تكن هذه العلاقات سهلة دائماً، لكنها حملت الكثير من المنافع لكلا البلدين. وقد قمت بزيارة إلى السودان في شهر سبتمبر من العام الجاري لأطلع بنفسي على الوضع على أرض الواقع، ولكي أبيّن بأن الحكومة البريطانية تريد التعاون مع حكومة السودان رغم الصعوبات. وانتهزت هذه الفرصة لأبدي التزام المملكة المتحدة تجاه أن ينعم السودان بالسلام والديمقراطية والرخاء، وأن يكون قوة لها تأثير إيجابي في المنطقة وفي المجتمع الدولي ككل. لكني أوضحت بشكل جلي وجوب تطبيق اتفاق السلام الشامل بين شمال وجنوب السودان، وإنهاء أعمال العنف في دارفور. إن اتفاق السلام الشامل، الذي أنهى حرباً أهلية امتدت طويلاً بين شمال وجنوب السودان، هو الأساس الذي يستند عليه السلام في السودان، وإن تعليق حكومة جنوب السودان لدورها في حكومة الوحدة الوطنية خلال الأسابيع الأخيرة قد يؤدي إلى انتكاسة كبيرة في التطبيق الكامل لاتفاق السلام الشامل. وقد ناشدنا كلا الطرفين فتح الحوار السياسي بينهما واستئناف العمل بموجب اتفاق السلام بأسرع وقت ممكن، حيث تؤكد هذه الصعوبات على مدى أهمية الاستعجال في تسوية الصراعات في السودان. ومازالت الكارثة مستمرة في دارفور. ليس هناك ما يفصل بين تسوية هذه الكارثة وإحلال السلام والاستقرار في جميع أنحاء السودان. فقد أُجبر أكثر من مليوني شخص على النزوح عن بيوتهم، وهنالك أربعة ملايين شخص يعتمدون على المعونات المقدمة لهم لتلبية احتياجاتهم الأساسية. وليس باستطاعة موظفي الإغاثة الإنسانية الوصول إلى جميع المحتاجين. لكن تم إحراز تقدم خلال العام الماضي، فقد كلف مجلس الأمن الدولي أكبر قوة حفظ سلام على الإطلاق بالذهاب إلى دارفور، وستكون هذه القوة المشتركة الفريدة من نوعها تحت قيادة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، ويتعين علينا انتهاز هذه الفرصة للتحرك قدماً. رئيس الوزراء البريطاني جوردن براون والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أطلقا في 20 يوليو الماضي مبادرة مشتركة لأجل دارفور تهدف إلى المساعدة في تسوية الكارثة دبلوماسياً وعبر الحوار السياسي والمساعدة المالية اللازمة. إننا نسعى لإحراز تقدم في الوضع الأمني، وإيقاف العمليات القتالية، والمضي في العملية السياسية وإفساح المجال أمام توصيل المساعدات الإنسانية. ومع إحراز هذا التقدم سنتمكن من المضي قدماً في المساعدة على تعافي الاقتصاد، وهو أمر حيوي للغاية، حيث إننا نعمل على تحقيق ذلك بالتعاون مع شركائنا الدوليين، بمن فيهم الدول المجاورة للسودان، ومع حلفائنا الأساسيين كالصين. لقد قدمت المملكة المتحدة منذ شهر أبريل 2004 ما يربو على 275 مليون جنيه إسترليني من المساعدات الإنسانية للسودان، كما خصصنا 110 ملايين جنيه إسترليني للمساعدات المقدمة له في العام الجاري. ونحن نناشد الحكومة السودانية وفصائل التمرد بإيقاف عمليات قطع الطرق، والسماح لموظفي الإغاثة بأداء عملهم، والالتزام بإيقاف العمليات القتالية، حيث يتطلب إحلال الأمن في دارفور تعاوناً تاماً من قبل جميع الأطراف في المنطقة، كما أننا نعمل مع الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وغيره من الشركاء لتأمين نشر قوات حفظ السلام المشتركة بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي. وفي غضون ذلك نقدم الدعم لبعثة الاتحاد الأفريقي في دارفور، حيث ساهمنا بمبلغ 73 مليون جنيه إسترليني لتمويل عمليات هذه البعثة منذ تأسيسها. لكن وجود قوة حفظ سلام لا يمكنه بحد ذاته تسوية وضع معقد تمتد جذوره عميقاً. فالتسوية الوحيدة على المدى البعيد يجب أن تكون عبر حل سياسي ينطوي على مفاوضات يشترك بها الجميع، ويأخذ بعين الاعتبار رغبات كل أهالي دارفور، وبالتالي فإن محادثات ليبيا تعتبر حيوية في تحقيق السلام. وقد أوضحنا أنه يتوجب على الحكومة السودانية وجميع قادة المتمردين المشاركة مشاركة تامة وصادقة في العملية السياسية، وأن يكونوا على استعداد للتفاوض لأجل السلام، وسنعمل معهم لضمان أن يؤدي هذا إلى التوصل لتسوية مستدامة وتشمل الجميع وتعالج جذور الصراع. يجب أن يشهد أهالي دارفور فوائد السلام. ونحن نعمل مع شركائنا لتعجيل الاستعدادات للتعافي لأجل تلبية جميع احتياجات أهالي دارفور: توفير المياه النقية لهم واستعادة سبل معيشتهم. إنهم لا يريدون أن يعتمدوا على المعونات الإنسانية، بل يريدون إعادة بناء حياتهم بأنفسهم، وسنساعدهم على ذلك. ويتعين علينا أن نبدي لأهالي دارفور والشعب السوداني أن المجتمع الدولي سيقدم لهم الدعم، بينما هم يتحركون قدماً نحو الأمام. كما يتعين تسوية تأثير الصراع في دارفور المثير للاضطرابات في المنطقة على نطاق أوسع، وخصوصاً في تشاد. فقد شاركت المملكة المتحدة في اقتراح قرار صدر عن مجلس الأمن في 25 سبتمبر تحت رقم 1778، والذي يجيز نشر قوة تابعة للاتحاد الأوروبي، ويوافق على إرسال بعثة متعددة الجنسيات تابعة للأمم المتحدة إلى كل من تشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى. الغرض من العملية التي تقوم بها الأمم المتحدة بناء قدرات قوات الشرطة التشادية، وحماية اللاجئين والنازحين داخلياً، والمساعدة في توفير بيئة أكثر أماناً في شرق تشاد. المملكة المتحدة ملتزمة حيال توفير مستقبل يسوده السلام لدارفور ضمن سودان ينعم بالاستقرار والرخاء. لكن ليس باستطاعتنا لا نحن ولا الشعب السوداني أن نفعل ذلك بمفردنا، بل يحتاج الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة إلى دعم المجتمع الدولي للدفع بهذه الجهود نحو السلام: ليس لفرض حل غربي الطابع على القضية السودانية، بل للتعجيل في عملية إيجاد السلام لأهالي دارفور يمكن للجميع الالتزام بها. نحتاج لتعاون جميع الأطراف في هذا الصراع بالإيفاء بالتزاماتهم وواجباتهم، ومن ثم يكون باستطاعتنا بناء مستقبل أفضل لدارفور وللسودان وللمنطقة ككل.