قال صاحبي: وماذا يبقى في شعار "تطبيق الشريعة" بعد أن بينت لنا أن تطبيقها في الحدود، وهي التي نص القرآن فيها على عقوبات معينة، لا يكون إلا نسبياً نظراً للشروط التي اشترطها الشرع لإثباتها، وأيضا باعتبار أن الحديث النبوي "ادرؤوا الحدود بالشبهات"، صريح في التماس كل ما من شأنه أن يدرأ تطبيق الحد؟
قلت: الواقع أن هذا السؤال لا معنى له إلا لدى من يختزل الإسلام في قطع يد "السارق الصغير" (سارق البيضة أو البيضتين)، والتغاضي عن "السارق الكبير" (سارق الأموال وسارق الحقوق بما فيها حقوق الإنسان والحقوق الديمقراطية)! أما من هو منشغل بما يشكل أبرز خصائص عصرنا، أعني التغير والتبدل، فالسؤال الذي يشغله هو: كيف نطبق شريعتنا على ما حدث ويحدث من تطور وتقدم فاتنا ركبه فأصبحنا في المؤخرة نعدّ مع الأمم "المتخلفة"؟
ذلك لأن مشكلتنا مع عصرنا هي أن التغير والتبدل هما أبرز سماته، وأن المستجدات في مختلف المجالات تتعاقب وتتزاحم في كل يوم، الشيء الذي يفرض على الناس، أعني على المتحضرين المواكبين للتطور، مراجعة ما يسنونه لأنفسهم من قوانين أو ما يتبعونه من شرائع. وإذا كانت عملية المراجعة لا تعني بالضرورة الحذف أو التعطيل لهذا القانون أو ذاك، لهذه القاعدة السلوكية أو تلك، فإنها كثيراً ما تفرض إعادة النظر في الأولويات وإعادة ترتيب الحاجيات، وما قد يترتب عن ذلك من إضافة لوائح جديدة...
ونحن في العالم العربي والإسلامي، الذين نعيش التغير الذي يطبع العصر الحاضر وسط تراث حي متنوع انحدر إلينا من العصور الماضية، كثيراً ما نغفل هذه الحقيقة، فترانا نطالب بالتجديد متسائلين: ماذا يجب أن نأخذ من تراثنا، وماذا يجب أن نأخذ من قوانين عصرنا؟ ناسين أو متناسين أن ما أصاب حياتنا من تبدل عميق واسع، وما نعرفه من تغير مستمر متواصل، قد جعلنا في وضعية تتطلب منا معالجتُها القيامَ بمراجعة عميقة للمقاييس التي نعتمدها والقواعد الأصولية التي ننطلق منها، وليس مجرد التساؤل أو التفكير فيما ينبغي أخذه من هنا، وما ينبغي أخذه من هناك، وكأن الحياة جامدة على حالة معينة، كما كانت في الماضي، أو كأن ركب التطور واقف ينتظرنا حتى نقرر ونختار.
لا، لم يعد في إمكاننا أن نختار بين ما يجب أن نأخذ من هنا أو من هناك. وأحسب أن الحياة البشرية على ممر العصور لم تكن تقوم على مثل هذا الاختيار. وإذا كان من غير الجائز سلب الإنسان قدرته على التحكم في الأحداث، فإنه من غير الجائز كذلك إغفال الطابع النسبي لهذه القدرة: قدرتهم على الاختيار بين الإمكانيات التي يتخيلون أنهم أحرار في ممارسة فعل الاختيار فيها. إن ما يفعله الناس في الحقيقة، وهذا ما قد ينجحون فيه أو يفشلون، هو التكيف مع المستجدات، سواء تلك التي يساهمون في إنتاجها، أو تلك التي تظهر من غير أن يقصدوها أو يفطنوا بها. والتكيف يعني الملاءمة: ملاءمة الذات، فردية، كانت أم جماعية، مع الواقع الجديد، ولكن ليس من أجل الخضوع له والاستسلام أمامه، بل من أجل استعادة القدرة على السيطرة عليه، نوعاً من السيطرة. وبقدر ما يكون الوعي بنوعية التطور الحاصل عميقا بقدر ما تتسع الإمكانيات أمام الذات للحفاظ على استقلالها وأصالتها وضمان الاستمرار لأصولها ومراجعها خلال عملية الملاءمة المطلوبة التي ستكتسي، حينئذ، أبعادا عميقة، فتجمع بين إعادة بناء الواقع وإعادة تأصيل الأصول.
نقول هذا، ونحن نريد أن نؤكد في هذا السياق أن الدعوة إلى تحقيق الأصالة والخصوصية والانخراط في الحداثة... الخ، وهي دعوة ما فتئت تتردد عندنا منذ أكثر من قرن، ستبقى مجرد دعوة تتقاذفها أمواج التغير والتبدل الذي يفرض نفسه على الحياة المعاصرة، ما لم ترتفع هي إلى المستوى الذي يجعل منها دعوة إلى التكيف الواعي مع المستجدات قصد السيطرة عليها، ارتكازاً على تأصيل جديد للأصول.
لقد أشرنا في مقال سابق إلى أنه عندما أخذ بعض الأصوليين الفقهاء، الذين اتجهوا اتجاهاً تجديديا بعد "انغلاق" باب الاجتهاد، يفكرون في إعادة تأصيل أصول الفقه على أساس بنائها على مقاصد الشريعة، انطلقوا من "الأصل" التالي، وهو أن "الشريعة إنما وضعت لمصالح العباد في العاجل والآجل معا"، وأن مقاصدها، بناءً على هذا، لا تعدو أن تكون ثلاثة أقسام: ضروريات، وحاجيات، وتحسينيات. أما الضروريات فقد حصروها في خمس هي: حفظ الدين وحفظ النفس وحفظ العقل وحفظ النسل وحفظ المال. وأما الحاجيات فهي كل ما قامت الحاجة إليه من أجل رفع الضيق والمشقة والحرج، وأما التحسينيات فهي الأخذ بما يستحسنه العقل من العادات والمستجدات، وتجنب ما يستقبحه منها. ثم أضافوا إلى كل قسم من هذه الأقسام ما هو له كالتتمة والتكملة، مما لا يؤدي إلى إبطال أصل من الأصول، وجعلوا المقاصد الضرورية أصلاً للحاجيات والتحسينيات والتكميليات، باعتبار "أن مصالح الدين والدنيا مبنية على الأمور الخمسة المذكورة"، وقالوا إن هذه الأمور الخمسة قد ثبتت لديهم بالاستقراء، ليس من الدين الإسلامي وحده، بل أيضا من "النظر إلى الواقع