قبل حوالي شهر من الآن، وبعد تدهور الأوضاع السياسية للرئيس الباكستاني، الجنرال برويز مشرف، قرر نواز شرف زعيم حزب "الرابطة الإسلامية"، استغلال الفرصة والعودة من منفاه في السعودية إلى إسلام آباد، العاصمة الباكستانية. لم يتمكن حينها شريف من البقاء أكثر من أربع ساعات في المطار، أجبرته بعدها السلطات الباكستانية على العودة في أقرب رحلة للخطوط السعودية إلى منفاه مرة أخرى. بدا حينها أن الرياض لم تمانع أولاً في مغادرة نواز شريف عائداً إلى بلاده، ثم بعد ذلك بدا أنها لم تعترض على إصرار السلطات الباكستانية بإعادته مرة أخرى إلى السعودية. بعد شهر تقريباً على إعادته من مطار إسلام آباد عاد نواز شريف مرة أخرى إلى باكستان. هذه المرة عاد ليبقى، وبموافقة من حكومة برويز مشرف. لماذا كانت العودة الأولى مرفوضة، والثانية تمت بالترتيب؟ الفرق هنا بين الرفض سابقاً والقبول لاحقاً يعكس تأرجح الجنرال بين حدس الخوف، وحاسة المغامرة. هل ينجح مشرف في توظيف اللعبة السياسية لاستمرار بقائه في الحكم؟ للتذكير فإن بقاء رئيس الوزراء الباكستاني السابق في السعودية كان تنفيذا لاتفاق تم التوصل إليه بعد نجاح برويز مشرف، قائد الجيش، بتنفيذ انقلابه العسكري على نواز شريف عام 1999 وإيداع الأخير السجن تحت طائلة تهم عدة، أبرزها الفساد، والإرهاب (أن شريف، كما يقول الجنرال، حاول إسقاط الطائرة التي كانت تقله أثناء عودته من زيارة لسيريلانكا آنذاك). تدخلت السعودية حينها لإخراج شريف من السجن، فاشترط مشرف أن يكون خروج شريف من السجن إلى المنفى مباشرة، وأن يبقى هناك لمدة عشر سنوات. وهذا ما حصل. عودة شريف الآن إلى باكستان حصلت بعد سبع، وليس عشر سنوات. كيف حصل ذلك؟ العامل الرئيسي الذي عجل، وربما فرض عودة نواز شريف من منفاه هو تدهور الأوضاع السياسية بشكل مستمر في باكستان منذ الصيف الماضي، وتحديداً منذ مجزرة المسجد الأحمر. كانت هذه الحادثة بمثابة الصاعق الذي فجر حالة الاحتقان السياسي على خلفية التزام الجنرال مشرف بما تسميه إدارة بوش الحالية "الحرب على الإرهاب"، وهو التزام أخذه على نفسه بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. في غضون ذلك جاء موعد الانتخابات الرئاسية فأصر الجنرال على إعادة ترشيحه لولاية ثانية. ليس واضحاً إن كان مشرف بإصراره هذا يمثل امتداداً لالتزاماته مع الأميركيين؟ أم أنه يعبر عن شهوة جنرال دخل معترك العملية السياسية، ولا يريد أن يترك استئثاره بالسلطة وهو لم يمض فيها أكثر من سبع سنوات. مهما تكن دوافع الجنرال، فإن موقفه فجر الوضع السياسي. ومع أنه فاز في الأخير في أكتوبر الماضي بأصوات البرلمان، إلا أن فوزه زاد من تفاقم الجو المشحون أصلاً بالعنف وعدم الاستقرار السياسي. هنا تحديداً بدأت فكرة عودة السياسيين المنفيين تفرض نفسها. الحرب الأميركية على "الإرهاب" وضعت الرئيس مشرف في صدام مباشر مع أهم القوى الإسلامية في باكستان. في الوقت نفسه كان واضح أن سياساته خلال سبع سنوات تسببت في عزلته، بل وفي صدامه أيضاً مع بقية القوى السياسية غير المحسوبة على الحركة الإسلامية. ويكتمل المشهد مع حقيقة أن أهم زعامتين شعبيتين، بينظير بوتو ونواز شريف، تم نفيهما إلى الخارج منذ سنوات. كانت البداية فتح الباب أمام زعيمة "حزب الشعب"، بينظير بوتو، بالعودة من منفاها، ما بين دبي ولندن. ليس واضحاً إن كانت فكرة العودة هذه من بنات أفكار الجنرال، أم كانت مقترحاً أميركياً فرضته عليه التطورات السياسية. مهما يكن فإن السماح بعودة بوتو جاء بهدف المساعدة على امتصاص الاحتقان السياسي، وتسهيل تمرير عملية انتخاب الرئيس. يقال أيضاً إن الأميركيين أقنعوا الطرفين بالدخول في نوع من التحالف، وهو أمر وارد، لكن التطورات بعد ذلك لا تؤيد هذا القول. ثم إن استمرار تدهور الأوضاع السياسية، وتعمق مأزق الرئيس مشرف، لا تجعل من التحالف معه أمراً مغرياً من الناحية السياسية. وقد اتضح أن تأثير عودة بوتو في الحد من تدهور الوضع السياسي للرئيس كان محدوداً. من أهم مؤشرات التدهور هو تصاعد الهجمات المسلحة على مؤسسة الجيش من قبل بعض الجماعات الإسلامية. لكن التطور الأبرز في هذا السياق هو مطالبة المعارضة بتخلي مشرف عن قيادة الجيش، لأنه لا يجوز له الجمع بينها وبين رئاسة الدولة. وكان جوابه دائماً، وبشكل لافت، أنه "لن يخلع بزته العسكرية" إلا بعد أن يتم انتخابه رئيساً للجمهورية". إصرار الجنرال على الاحتفاظ بمنصب قيادة الجيش ورئاسة الدولة بعد كل ما حصل، وفي هذه الأجواء المشحونة، أقنع الجميع بأن هدف الجنرال لا يتجاوز الاحتفاظ بالسلطة، والبقاء فيها أطول مدة ممكنة، حتى ولو جاء ذلك على حساب الجميع. في مواجهة هذا الموقف ذهبت المعارضة إلى المحكمة العليا رافعة دعوى عدم مشروعية انتخاب مشرف في الوقت الذي لا يزال يحتفظ فيه بمنصبه قائداً للجيش. بهذا الموقف اتخذت المواجهة منحى آخر. أصبح المطلوب الآن إزاحة مشرف عن منصب الرئاسة! إلى جانب ذلك أخذت الأوضاع تزداد صعوبة: المظاهرات لا تتوقف إلا لتبدأ من جديد، وهجمات القوى الإسلامية المسلحة على الجيش والاستخبارات تتصاعد. المحكمة العليا التي رفعت إليها دعوى الاعتراض على انتخاب مشرف، وتحديداً رئيس المحكمة افتخار تشودري، مناهضة له على خلفية صدامه معها الصيف الماضي. في هذه الأجواء كان المتوقع أن تصدر المحكمة حكما بعدم شرعية انتخاب مشرف وهو لا يزال في منصب قيادة الجيش. هنا، وأمام هذا الموقف استقر رأي مشرف على أنه لم يتبق أمامه للبقاء رئيساً للبلاد إلا استباق قرار المحكمة بتركيبتها الحالية، وذلك بإعادة تشكيلها من خلال عزل أعضاء المحكمة المعارضين له، وتعيين أعضاء أكثر استعداداً للمصادقة على انتخابه. الطريقة الوحيدة لإنجاز ذلك هي إعلان قانون الطوارئ، وتعطيل الدستور. هذه الخطوة تسمح لمشرف بمطالبة القضاة، بمن فيهم أعضاء المحكمة العليا، بأداء القسم من جديد بالالتزام بمقتضى قانون الطوارئ. وعندما رفضوا ذلك، اتخذ مشرف قراره بعزل أعضاء المحكمة العليا، وتعيين قضاة آخرين. إقدام مشرف على إعلان قانون الطوارئ جعله في الأخير في مواجهة الجميع: المعارضة بكل أطيافها، المحكمة العليا، نقابة المحامين، والإعلام. وقد انضمت بينظير بوتو إلى جبهة المعارضين لقانون الطوارئ، مما دفع بمشرف إلى وضعها رهن الإقامة الجبرية لأيام. ذهب الجنرال أبعد من ذلك عندما انتهى به الأمر باعتقال أكثر من خمسة آلاف من معارضيه من المحامين، والإعلاميين، والسياسيين. خطوة مشرف هذه تشبه كثيراً ما فعله الرئيس المصري الراحل، أنور السادات، عام 1980 -1981. آنذاك زج السادات بآلاف المعارضين من كل التيارات في السجن. انتهى الأمر باغتيال السادات فيما يعرف بحادث المنصة. هل تأتي نهاية مشرف مشابهة أيضاً؟ ليس بالضرورة، إلى جانب أنه شيء لا نتمناه له ولا لغيره. المهم أن الموقف السياسي لمشرف أخذ يزداد تعقيداً، بل وخطورة. كان من الواضح أن التطورات المحلية تدفعه مرة بعد أخرى نحو التصعيد، مما يزيد من عزلته ويقوي خصومه في المعارضة. الأسوأ بالنسبة للجنرال أن التطورات السياسية كما هي الآن تزيد من تحالف قوى المعارضة. هنا تحديداً يبدو أن فكرة السماح بعودة نواز شريف فرضت نفسها. فمن الممكن أن تتسبب عودة شريف، نظراً لحجم "حزب الرابطة" الذي يتزعمه وطبيعته المحافظة، بانقسام المعارضة. وهو تطور فيما لو حصل سيضعف المعارضة ويقوي الموقف السياسي للجنرال. بل يقال إن صفقة ما تم إبرامها بين مشرف ونواز شريف، لكن من دون بروز عناصر واضحة لمثل هذه الصفقة. من ناحية أخرى، المؤشرات المتوفرة حتى الآن توحي بأن العملية السياسية مستمرة في الاتجاه نفسه. فأحزاب المعارضة جميعها تشترط إلغاء قانون الطوارئ قبل المشاركة في الانتخابات البرلمانية في يناير القادم. واللافت هنا هو إعلان بينظير بوتو استعدادها التحالف مع نواز شريف في مواجهة مشرف. بل إن شريف أعلن أنه لن يترأس حكومة في عهد مشرف. كل ذلك يوحي بأن المأزق السياسي للجنرال يزداد صعوبة. عودة الزعيمين المنفيين، بوتو وشريف، زادت من عزلة الجنرال، وقد تؤدي إلى توحد المعارضة. في هذه الحالة هناك خطورة أن يضطر مشرف إلى الزج بالجيش في مواجهة الجميع، وهو تطور سيجعل منه عبئا على المؤسسة العسكرية نفسها، وعلى حلفائه في الخارج.