النصّ والتأويل
عن ابن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لنا لما رجع من الأحزاب: "لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة، فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي لم يرد منّا ذلك. فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنّف واحداً منهم" كما جاء في صحيح البخاري.
وفي البخاري أيضاً عن ابن عمر قال:"بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فجعلوا يقولون صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر ودفع إلى كل رجلٍ منّا أسيره، حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره، فقلت والله لا أقتل أسيري ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، حتى قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرناه فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يده فقال: اللهمّ إني أبرأ إليك مما صنع خالد مرتين".
التأمل في هذين الحديثين يعطينا صورةً واضحةً عن اتساع اللغة ومساحات التأويل التي تمنحها، ففي الحديث الأول كان النص من الرسول الكريم قابلاً للتأويل وقد تأوله كل فريقٍ حسب ما بدا له، والأهمّ هو إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لحق الفريقين في التأويل، وأنه لم يعنّف أحداً منهما، وفي الحديث الثاني يظهر مدى اتساع اللغة لدرجة الدلالة على المعنى ونقيضه، فحين أراد القائلون إثبات إسلامهم بقولهم: صبأنا، فهم خالد بن الوليد أنهم يقصدون انتقلنا من دين الإسلام لدينٍ آخر، أي أنه فهم تماماً عكس ما أرادوه.
بعد هذا المدخل السريع، يجدر التأكيد على أنّ النصوص التاريخية الكبرى، التي تسعى لتقديم نظريات شاملة للكون والحياة والحق والجمال ونحوها من المبادئ الكبرى للبشرية، هذه النصوص سواء كانت نصوصاً دينية أم نصوصاً فلسفية تتسم في الغالب بالعبارات المفتوحة للتأويل، بمعنى أنّها وهي تقدّم نظرتها الشاملة، تسعى في المناطق الجزئية والضبابية إلى تقديم رؤى مفتوحةٍ يتم التعبير عنها بعباراتٍ غير حاسمةٍ ولا قطعيةٍ.
وإبقاء باب التأويل مفتوحاً هو ضمانة الاستمرارية والخلود، بمعنى أنّ هذه النصوص لو قدّمت مواقف صارمةٍ تجاه قضايا عائمة أو ضبابية، لو فعلت ذلك فإن حركة العلم والتاريخ ستفضحها وتعرّيها وتثبت خطأها في هذه الجزئية، وعدم صوابيتها في تلك المسألة الفرعية، وهكذا، لذلك كان فتح باب التأويل وتوسيع مساحاته هو المخرج الوحيد من هذه الثغرات والملاذ الأول والأخير من هذه العثرات.
غير أنّنا اليوم نعلم جميعاً أنّ النصوص الكبرى لاتصل إلى المتلقّي مباشرةً وإنما هي في الغالب أسيرةٌ بشكلٍ أو بآخر للقراءات التأويلية الراسخة عبر القرون، والتي تعاقب على تأسيسها وصيانتها وإحكام جزئياتها وكليّاتها علماء كبار وباحثون مميّزون، لذلك فإن مثل هذه القراءات التأويلية القديمة تفرض هيمنتها على النصوص نفسها وعلى المتلقين لها والباحثين فيها، إنّ هذه التأويلات المتوارثة تمنح نفسها ويمنحها أتباعها مع امتداد الزمن قداسة النصوص نفسها، فيصبح التماهي بين النصّ وقراءته وتأويله أمراً لازماً لا فرار منه، ويبدأ المنافحون عن هذه القراءة القديمة أو تلك في اتهام كلّ من يخرج عن قضبان هذه القراءة فضلاً عن أن يحاول نقدها وتقويمها أو حتى تقديم البدائل عنها، يبدأون باتهامه بالتخلّي عن النصوص نفسها، ونقد النصوص ذاتها، وهنا يدخل المجتمع والفكر والنقد في نفقٍ مظلمٍ يحتاج الخروج منه إلى مبادراتٍ جريئةٍ تعيد الأمور إلى نصابها، وتسلخ بمبضع النقد التماهي الزائف بين النص وقارئه، بين النصّ وتأويله، ومن يقومون بمثل هذه المهمّة الصعبة يتعرّضون دائماً وباستمرار لهجمات أسرى القراءة التأويلية السائدة، الغارقين حتى آذانهم فيها، والغريق لا يكاد يبصر طريقاً ولا يرى مخرجاً بل إنه حين يسعى أحدٌ لإنقاذه يبدأ لا شعورياً في محاولة إغراقه معه.
إنّ عملية التأويل تتحكم فيها مجموعة من المعطيات والآليات الذهنية، فاللغة معطىً والثقافة أيضاً والواقع كذلك، وهذه المعطيات تكتنز بدورها جزئيات كثيرةٍ وتفاصيل متناثرةً تفتح المجال رحباً أمام عملية التأويل الذي يعتمد -كذلك- على آليات ذهنية نسبية في العقل وطريقة التدليل وفي التحليل والتركيب، ونستحضر هنا قول إدوارد سعيد في كتابه الاستشراق:"تكمن المشكلة الحقيقية في ما إذا كان بالإمكان وجود تصورٍ صادقٍ عن أي شيء مهما كان، أم أن جميع التصورات بلا استثناء، وبحكم كونها تصوراتٍ، مدفونة أولاً في لغة صاحب التصوّر ومن ثم في ثقافته ومؤسساته وأجوائه السياسية. فإذا كان البديل الثاني هو الصحيح علينا عندئذٍ أن نكون مستعدّين للقبول بالواقع القائل إن كل تصورٍ يختلط حكماً بأشياء كثيرة غير الحقيقة... مع العلم بأن الحقيقة نفسها هي تصور ليس إلا".
إنّ عمليات كسر أقفال التأويلات السائدة، وإعادة فتح مساراتٍ جديدة للتأويل تتمّ عادةً في مراحل من تاريخ الفكر تكون طبيعتها أنّها مراحل مضطربة وضبابية، تلتمس لنفسها مخرجاً بين قديمٍ ظهر عواره وجديدٍ لم يولد بعد، ولم يتحدد بعد. ولكنّ هذه العمليات لابدّ أن تتم رغم قسوتها حيناً وعشوائيتها في أحيانٍ أخرى، لأنها بعثراتها قبل نجاحاتها تمثل المخرج الحقيقي، تماماً كما قال أنتونيو غرامشي:"القديم يحتضر والجديد لا يستطيع أن يولد بعد، وفي هذا الفاصل تظهر أعراضٌ مرضيةٌ كثيرةٌ وعظيمةٌ في تنوّعها".
وتبقى النصوص مفتوحةً على الدوام للقراءة والتأويل وإعادتهما، سواء اعتمدنا على النظرية القديمة التي تقول بوجود حقيقة ومجاز، أو اعتمدنا النظرية الألسنية الحديثة التي تعتمد على عناصر ستةٍ للاتصال هي: المرسل-المرسل إليه- الرسالة-السياق-الشفرة-أداة الاتصال.
إنّ أسلم وسيلةٍ لحماية النصوص المقدسة هي في إدراك ما تمنحه من مساحةٍ هائلةٍ للتأويل، وذلك بتقليلها للقطعيات وتكثيرها للظنيات والنسبيات، وهو ما يمكّن قارئيها من تقديم قراءات لها تثبت مصداقيتها مع اختلاف الظروف والمعطيات وتطوّر الزمان والمكان والإنسان، وما أجمل ما قاله نيتشه حين قال: "الحيّة التي لا تستطيع أن تغيّر جلدها تهلك، كذلك البشر الذين لا يقدرون أن يغيّروا آراءهم لا يعودون بشراً"!
أحبّ أن أذكّر هنا بمثالٍ تراثيٍ صارخٍ على عملية التأويل، وذلك في الحديث الذي أخرجه مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: "عمّار تقتله الفئة الباغية"، وكان عمّار في معركة صفّين مع علي ضد معاوية، وعندما فشى هذا الحديث في معسكر معاوية قال معاوية: إنما قتله من أتى به!
وهكذا فالنصوص المقدّسة تتعرض باستمرار لعمليات قراءة وتأويل وإعادة قراءة وتأويل، لتحافظ على قداستها وتساميها، وتمنح أتباعها إيماناً راسخاً وقادراً على الثبات رغم كل ما يكتنف حياة البشر من التغيرات على كافة المستويات.
بقي القول بأن العقل البشري والفكر الإنساني لا يتطوران أبداً بتوسيع مسائل الإجماع، وتضخيم القطعيات، والتكثّر من اليقينيات، بل إنّ تطورهما مرهونٌ بعكس ذلك، مما يتيح مساحاتٍ للتساؤل والنظر والتأويل.
Bjad33@gmail.com