النزعة الاستهلاكية... أي دور للقروض؟
رصدنا، بالأمس، عدداً من المؤشرات الدالّة على تنامي النزعة الاستهلاكية، وكان للتنامي الملحوظ في معدلات القروض الاستهلاكية دور بارز من بين هذه المؤشّرات، وعلى هذا الأساس دعا "مجلس أبوظبي للتطوير الاقتصادي"، في تقرير له مؤخراً، إلى الإسراع بوضع ضوابط وقواعد جديدة لإدارة تدفّق السيولة من أجل كبح جماح التضخّم، داعياً المصارف إلى إعادة ترتيب أولوياتها، ومحذراً من أن القروض الاستهلاكية قد تعود على المصارف بعوائد مجزية على المدى القريب، لكنها قد تفرز تأثيرات سلبية على الاقتصاد الوطني والمصارف نفسها على المدى البعيد.
وإذا كان "مجلس التطوير الاقتصادي" قد اعتبر "القروض المصرفية الشخصية نتاجاً للتضخّم وسبباً له"، وأكّد أن تنامي معدلات القروض الاستهلاكية يلفت الانتباه مجدداً إلى الدور الذي لا تزال تلعبه المصارف في إذكاء التضخّم، فإن ذلك يلفت الانتباه بالتبعية إلى أن القروض الاستهلاكية قد تجاوزت في إفرازاتها السلبية البعد الخاصّ بتكريس ثقافة الاستهلاك على حساب ثقافة الادخار وغير ذلك، وبلغت حداً ذا تأثيرات أعمق.
وفي ظلّ الشواهد التي تؤكّد أن منحنى القروض الشخصية إلى تصاعد في ظل التقارير الإعلامية التي تحدثت مؤخراً عن رفع بعض البنوك العاملة في الدولة سقف الإقراض الاستهلاكي الشخصي إلى مليون درهم بعد 16 عاماً من التقيّد بحدّ أعلى لا يتجاوز 250 ألف درهم، اعتماداً على تعليمات المصرف المركزي بشأن رفع الحد الأعلى للقروض الاستهلاكية الشخصية إلى ما يعادل 25 ضعف الراتب الشهري لطالب القرض. يتوقع الخبراء ارتفاع حجم القروض الشخصية مع نهاية العام بنسبة 30% على أقل تقدير، فيما يؤكّد بعضهم أن حجم القروض الشخصية الاستهلاكية مرشح لتجاوز مبلغ مئة مليار درهم خلال عام واحد، ما يعني أن الجهات المعنية ستجد نفسها في مواجهة مشكلة معقدة، لاسيما أن القروض الشخصية ذات طبيعة استثنائية، فهي ذات طبيعة مزدوجة، أي أنها ناجمة عن ارتفاع معدلات التضخّم، لكنها في الوقت ذاته تغذي هذه الظاهرة وتسهم في رفع معدلاتها، أي أن استمرار التصاعد في معدلات الإقراض الشخصي قد يدفع التضخم، ضمن عوامل أخرى، إلى الدوران في حلقة مفرغة، ويجعل من الصعب السيطرة عليه من خلال الأدوات المالية والآليات الاقتصادية الأخرى.
هناك وجهة نظر اقتصادية ترى أن توسّع البنوك في الإقراض الاستهلاكي يعد نتيجة مباشرة لارتفاع الرواتب وارتفاع تكاليف المعيشة ما يدفع البنوك إلى رفع سقف الإقراض لتلبية احتياجات العملاء، وإن هذا الرفع ينتج مردوداً إيجابياً على الأسواق من خلال ضخّ السيولة، ولكنْ هناك فريقا آخر يرى أن زيادة الإقراض الشخصي ستصبح مثل "صب مزيد من الزيت على نار التضخم"، لأن ضخّ سيولة إضافية يؤدي إلى زيادة الطلب والإنفاق اللذين يغذيان بدورهما معدلات التضخم!
التباين الظاهري في المواقف بين الخبراء ربما لا يعبّر عن اختلاف في تحليل الظاهرة، بل يعبّر بالأساس عن اختلاف زاوية الرؤية وتباين الهدف، على اعتبار أن القطاع المصرفي يرى في زيادة الرواتب فرصة لتحقيق مزيد من الأرباح، الأمر الذي انعكس بالفعل على حجم أرباح الربع الأول من العام الحالي، والتي بلغت 5.7 مليار درهم تعادل نحو 30.5% من إجمالي أرباح العام الماضي، والتي بلغت 24.45 مليار درهم.
الجدل ليس حول مبدأ الإقراض الشخصي، باعتباره أحد أنشطة العمل المصرفي، بل يتمحور حول تطبيق المبدأ، فهناك فصل نسبي بين السعي نحو الربح والمسؤولية الاجتماعية والاقتصادية للبنوك، وهناك تسابق لافت للنظر نحو تقديم المغريات وتغييب الضمانات الشخصية لتفادي عجز المقترضين، وهناك غياب للآليات والضوابط المنظمة التي تضمن توجيه القروض نحو عمليات إنتاجية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.