في وقت لم يعد يفصلنا فيه عن الألعاب الأولمبية التي ستستضيفها الصين هذه السنة، سوى أسابيع معدودة مع ما يصاحب ذلك من استعدادات، فإن القليل فقط من الجمهور يتذكر الألعاب الأولمبية لعام 1960 التي نظمتها إيطاليا. فإذا كانت ألعاب العام الجاري تنطوي على حساسية خاصة مبعثها أن الصين التي لم تنتقل بعد إلى الديمقراطية، هي المنظم، فضلاً عن تركيز الأنظار على بعض تجاوزاتها الحقوقية، ومن ثم التشكيك في أهلية اختيارها لتنظيم الحدث الرياضي العالمي، فإن الرهانات التي انطوت عليها ألعاب 1960 كانت أشد وأخطر لأنها نظمت في ظرفية دولية شديدة التوتر والتعقيد. هذه التحديات التي شهدتها أولمبياد 1960 في العاصمة الإيطالية روما هي ما يكشفه لنا الكاتب والصحفي الأميركي "ديفيد مارانيس" في كتابه الأخير "روما 1960: الأولمبياد التي غيرت العالم". فالكاتب يرجع بنا إلى صفحات التاريخ الرياضي للألعاب الأولمبية لينقب عن قصص نسيها معظم الناس كانت في وقت حدوثها ملاحم كبيرة جعلت روما في عام 1960 بؤرة انصهرت فيها أحداث مختلفة وتناقضات عجيبة. الكاتب ينبش أيضاً في القصص الشخصية للرياضيين وتأرجحها بين معاناة البعض وإحباط البعض الآخر ليرسم لنا صورة بانورامية تعيدنا إلى أجواء الألعاب الأولمبية في ذلك العام. ولأن الوشائج بين الرياضة والسياسة حاضرة دائماً، فإن الكاتب ينبهنا إلى هذه العلاقة المتوترة بين التنافس في مضمار الرياضة والصراع الخفي والعلني أحياناً على المسرح السياسي بين الدول والقوى الكبرى. لكن أحابيل السياسة وحدها لا تكفي لصنع الحدث، لذا يهتم الكاتب بالجانب السوسيولوجي للألعاب الأولمبية من خلال تتبع الحياة الشخصية للرياضيين وخلفياتهم المتنوعة، سواء القادم منهم من أميركا أو الاتحاد السوفييتي أو حتى من دول العالم الثالث. لقد نظمت ألعاب 1960 في روما ضمن سياق عالمي حافل بأحداث الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشيوعي. فالمعروف أن ستينيات القرن الماضي تميزت بوصول الحرب الباردة إلى أوجها، وارتفاع حدة الاستقطاب بعدما انحازت كوبا إلى المعسكر الشيوعي، وأقدم السوفييت قبل فترة وجيزة من الموعد المحدد للألعاب الأولمبية على إسقاط طائرة تجسس أميركية، فضلاً عن التوتر بين الألمانيتين. وليس غريباً في ظل هذا الجو المشحون أن يخيم التنافس الثنائي بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة على الألعاب الأولمبية ويتخذها الطرفان فرصة لشحذ آلتهما الدعائية وتسجيل مزيد من النقاط على حساب الآخر. ويذكر الكاتب كيف أن الصراع وصل بين المعسكرين إلى درجة إقدام الاستخبارات الأميركية على تجنيد العدّاء الأميركي "ديف سيم" لإقناع أحد الرياضيين السوفييت بالهرب والقدوم إلى أميركا. لكن بعيداً عن الحمولة السياسية والأيديولوجية لأولمبيات عام 1960، فقد كانت أيضاً فرصة للدفاع عن الحقوق المدنية والمساواة، بين الأعراق من جهة وبين النساء والرجال من جهة أخرى. فللمرة الأولى في تاريخ المشاركات الأميركية في الألعاب الأولمبية، يتقدم الوفد الرياضي الأميركي العداء الأسود "رالف جونسون" حاملاً العلم الأميركي. الكاتب يوثق أيضاً مشاركة "كاسيويس كلاي" في أول ظهور احترافي له على حلبة الملاكمة، قبل أن يعرفه العالم باسم "محمد علي كلاي"، فضلاً عن العداءة الأميركية من أصول أفريقية "ويلما رودولف" التي عانت من الشلل في طفولتها واستطاعت تجاوز إعاقتها لتتحول إلى ألمع عداءة أميركية. هذه الأخيرة التي، وبعد أن رفعت علم بلادها في روما، رفضت لدى عودتها إلى بلدتها بولاية تينيسي حضور حفل نظمته السلطات المحلية على شرفها ما لم يشارك السود إلى جانب البيض في الحفل. غير أن الحضور لم يقتصر على القوتين العظميين، بل شاركت وفود من دول العالم الثالث تميز فيها عداء الماراتون الإثيوبي "أبيبي بكيلا" الذي شارك في السباق بقدمين حافيتين وفاز بالميدالية الذهبية. والمفارقة التي يشير إليها الكاتب أن العداء الإثيوبي الذي يعمل في حرس القصور الرئاسية يشارك في العاصمة التي احتلت بلده مرتين. ومع أن الألعاب الأولمبية لعام 1960 كانت الأولى التي يتم نقلها بالتلفزيون إلى المشاهدين، فإن التقنيات كانت بدائية للغاية، حيث يتم نقل الأشرطة المصورة عبر الخطوط الجوية الإيطالية إلى نيويورك ليتم تفريغها وعرضها مرفقة بالتعليق. ولعل ذلك ما جعل ألعاب 1960 أقل حضوراً في أذهان الناس من تلك التي تلتها بسبب ضعف التكنولوجيا التي لم تتح متعة الفرجة للجمهور. وسجلت الألعاب الأولمبية أيضاً أول تعاط للمنشطات من قبل سائق الدراجات الدانماركي "نود إينمارك" الذي لقي حتفه في المضمار بسبب جرعة زائدة. بيد أن الإنجازات التي رافقت الألعاب الأولمبية لعام 1960 في روما والسياق التاريخي والسياسي الذي جرت فيه، لا يبرر العنوان الذي اختاره المؤلف لكتابه. فكيف يمكن إقناع القارئ مثلاً أن الألعاب الأولمبية غيرت العالم؟ وكيف حصل ذلك؟ الواقع أن الألعاب على أهميتها في جمع شعوب العالم في إطار من التنافس الرياضي الشريف، ورغم كل الصراعات والمساعي الدعائية التي رافقت التظاهرة الرياضية، فإنها في النهاية لم تغير شيئاً في المناخ العالمي المتوتر، وظلت الحرب الباردة مستمرة حتى العقد الأخير من القرن العشرين. زهير الكساب الكتاب: روما 1960: الأولمبياد التي غيرت العالم المؤلف: ديفيد مارانيس الناشر: سيمون أند شوستر تاريخ النشر: 2008