الحرب الباردة... هل تعود مجدداً؟
مع أحداث الحرب في جورجيا، وتوتر العلاقات الروسية- الأميركية بسبب التدخل الروسي في الحرب الجورجية ضد إقليم أوسيتيا الجنوبية توجس الكثيرون من أن هذه التوترات قد تعيد إلى الواجهة حرباً باردة جديدة بين العملاقين الروسي والأميركي. وقد زاد من التوتر توجه الولايات المتحدة إلى إنشاء قواعد صاروخية مضادة للصواريخ في بولندا الجارة اللدود للاتحاد الروسي، والتي ظل تاريخها طوال القرن العشرين مرتبطاً بالتطورات على الأراضي الروسية، وأجزاء من أوروبا الشرقية.
وانتشر هذا التساؤل، ليس فقط على ألسنة عدد من السياسيين والمحللين الغربيين، بل امتد كذلك إلى عدد من المسؤولين العرب الذين أدلوا بتصريحات تنبئ عن تخوفهم من احتمال ألا تكون الأحداث الجورجية سوى زناد محتمل لاندلاع حرب باردة جديدة.
والحقيقة أنه يجب وضع الصورة في مكانها، وتقييم الأمور بشكل عقلاني ومنطقي. وربما لم يتهيأ لنا كمحللين عرب أن نوازن بين الحرب الباردة بين القطبين والمرحلة اللاحقة لها. وربما ربطنا بينها وبين الحروب الباردة العربية، وهو أمر ليس بالضرورة ذا بعد منطقي.
وحين يهيأ للمرء النظر في مرحلة الحرب الباردة وما صاحبها من استقطاب دولي، ونظام عالمي فيه شكل من أشكال التوازن، وإن صاحبه توتر جزئي في الأطراف، وبين تلك المرحلة والمرحلة اللاحقة من الأحادية القطبية وما صاحبها من استقواء على الدول العربية واحتلال للعراق، وحروب إسرائيلية ضد لبنان، وغزو لأفغانستان، وتهديد للسودان، فسيجد المرء أن البلاد العربية والإسلامية قد دفعت فاتورة ما بعد الحرب الباردة، وأن هذه الفاتورة باتت باهظة إلى حد كبير. ونتيجة لذلك قد فقدت هذه البلدان الكثير من استقلالها وحرية بعض بلدانها. ولم تنشر الإمبراطورية الجديدة ما سمي بالسلام العالمي، بل على العكس فلقد كانت السنوات الثماني الماضية سنوات عجافاً للعالم العربي وللمسلمين كافة. فإذا كانت محاربة الشيوعية هي عنوان الحرب الباردة الأبرز، فإن محاربة الإسلام وأتباعه تحت شعارات متعددة قد أصبحت شعار مرحلة القطبية الواحدة. لذلك فإننا يجب ألا نذرف دموعنا على فترة عجفاء من تاريخ العرب الحديث. قد يقال إن فترة الحرب الباردة كانت فترة مرهقة اقتصادياً وسياسياً للقطبين الأميركي والسوفييتي. فقد شهدت تلك المرحلة إنفاقاً دفاعياً هائلاً، كان يقود الاقتصاد الأميركي إلى أزمات متتالية، وأثر سياسياً واقتصادياً على الاتحاد السوفييتي وقاده إلى الانهيار. ومثل تلك الأموال كان يمكن أن تنفق على مشاريع تساعد على تطور الاقتصاد وزيادة دخل الأفراد، بدلاً من إنفاقها على سباق تسلّح لا طائل من ورائه.
كما أن فاتورة الحرب الباردة، قد دفعتها شعوب متعددة. فبلدان وشعوب شرق أوروبا، وبعض بلدان وسط آسيا والقوقاز، قد فقدت حريتها واستقلالها حينما كانت جزءاً من الإمبراطورية السوفييتية. كما أن بلداناً مثل كوريا قد انقسمت بسبب تلك الحرب، وتشتت شعباها بسبب الحروب الساخنة على شبه الجزيرة الكورية. وبالنسبة للعالم العربي، فإن الحرب الباردة، ربما تكون حالت دون التوصل إلى حل سلمي بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وحين ننظر إلى الفترة اللاحقة، فإن رحى الصراع الثنائي بين القطبين الكبيرين، قد انتقلت من القارة الأوروبية إلى المشرق العربي. ولقد شهدنا عدة حروب واجتياحات للبلدان العربية، وبشكل خارق للقانون والأعراف الدولية، وفقد أكثر من مليون عراقي حياتهم كجزء لتمدد الإمبراطورية على أراضيهم. وزادت إسرائيل من استقوائها على الفلسطينيين، ولم تعد الدول الغربية تعيرهم الكثير من اهتمامها، إلا عبر تصريحات زائفة عبر ما يسمى بـ"اللجنة الرباعية" أو "وعد بوش" بإقامة الدولتين، وغير ذلك من الوعود البراقة التي أرادت منها الدول الغربية تخفيف حنق الشعوب العربية من اجتياح جزء من أوطانها. وزادت خلال الفترة اللاحقة للحرب الباردة حدّة الاستيطان والتوسع الإسرائيلي إلى درجة أن كل يوم يمضي يشهد تراجع الحلم الفلسطيني في تحرير القدس وبقية التراب الوطني الفلسطيني.
فإذا كان الأوروبيون يخشون من النزعة القوية الروسية الجديدة، ومن انتفاضة الدب الروسي التي ظهرت واضحة في أحداث جورجيا، فإن الحال لا ينبغي أن تكون كذلك في البلدان العربية. فلعل شيئاً من توازن القوى الدولي المحدود يعيد بعضاً من العقلانية في سياسات الولايات المتحدة تجاه المنطقة العربية ويجعلها أكثر عقلانية في علاقتها مع العرب وللمسلمين مما كانت عليه الحال طيلة السنوات الماضية العجاف.
والعجيب في الأمر أن تفكك الاتحاد السوفييتي، كما هو معروف، قد جاء بسبب الغزو السوفييتي الفاشل ضد أفغانستان، وكذلك بسبب تراجع أسعار النفط العالمية خلال فترة الثمانينيات، التي أثقلت كاهل الاقتصاد السوفييتي، ولم تسمح لجورباتشوف بأن يعيد هيكلة اقتصاد بلاده، بل ساهمت في الإطاحة بالإمبراطورية السوفييتية، وانفصال أجزاء واسعة من بلدان شرق أوروبا ووسط آسيا عن الإمبراطورية العجوز.
ولعلّ من غرائب المصادفات أن يشهد بروز القومية الروسية الجديد، تصاعداً كبيراً في أسعار النفط والغاز العالمية، وهو ما قد يعطي وقوداً اقتصادياً، ونفوذاً سياسياً، للقادة الجدد في الكرملين، ويقوي من مركزهم التفاوضي مع البلدان الأوروبية، التي تعتمد بشكل كبير في استيراد غازها على الاتحاد الروسي.
ولعلّ إعلان "أنجيلا ميركل" رئيسة وزراء ألمانيا أن جورجيا ستصبح يوماً ما جزءاً من منظومة حلف "الناتو"، بالإضافة إلى رغبة بعض الساسة الأوكرانيين في الانضمام إلى الحلف، يثيران حنق روسيا وخوفها من سياسة الطوق العسكري الذي يضربه حلف "الناتو" حولها سواءً في الغرب الأوروبي، أو في وسط الخاصرة الروسية الآسيوية.
لذلك فإن بروز القومية الروسية الجديدة ليس إلا مظهراً من مظاهر الاستياء الروسي مما تفعله السياسة الأميركية بإمبراطورية نائمة تمتلك الكثير من موارد الطاقة والمواد الأولية، وكذلك من الصناعات العسكرية والمدنية. ولن تكون العودة إلى حقبة الحرب الباردة الجديدة سهلة، بل ستتخللها بعض الأحداث المختلفة، وربما تعود الحروب إلى الأطراف مثلما كانت عليه خلال الحرب الباردة القديمة.
لذلك فإن من الحصافة السياسية أن نقيّم المرحلة الجديدة من منظور ذاتي عربي، وليس بالضرورة من وجهة نظر الدول الغربية نفسها، التي قد تختلف مصالحها وتوجهاتها مع بعض المصالح العربية. ومن ثم فإن من واجب المحللين السياسيين أن يدرسوا عمق الشعور القومي الروسي الجديد، وهل تناصره الطبقات المتوسطة والعليا في المجتمع، أم أنه حصر على بعض القادة السياسيين، دون سواهم؟ ثم هل سيكون بمقدور القيادة الروسية أن تدير اللعبة القومية، وما يصحبها من تنافس مع الدول الغربية، وفي الوقت نفسه أن تواصل دعم الاستثمارات القادمة إلى بلدها. وهل سيتراجع القادة الروس عن سياسة الحرب الباردة الجديدة، أم أنهم سيواصلون الدفاع عن مصالحهم الاستراتيجية، وإن تحمّلوا بعض التكاليف الاقتصادية المصاحبة؟ كل هذه الأسئلة تنتظر الكثير من التحليل والرؤية السياسية المعمّقة.