المنحرفون... من هم؟
انتهى مؤتمر حول الظواهر الدخيلة على المجتمع العربي في الكويت منذ فترة قصيرة. ومن الطبيعي أن محدودية العقلية العربية لا تخرج عما هو مألوف، وبارز على السطح من قضايا. وقد غاب عن أذهان كثير من المشاركين أن عقد مثل هذا المؤتمر في الكويت إنما كان لأغراض خاصة وفقاً لأجندة التيار الديني الذي أسس لجنة الظواهر الدخيلة في البرلمان الكويتي، بهدف محاربة انتشار ظاهرة الجنس الثالث والجنس الرابع. وقد استطاع نواب التيار الديني في البرلمان الكويتي إضافة مادة جديدة في قانون الجزاء الكويتي حول العقوبات الخاصة بمن يتشبه بالنساء من الرجال، أو العكس، دون أي اعتبار للعنصر الجيني أو الوراثي أو النفسي في الموضوع. وبدلا من أن يتحرك النظام السياسي لدراسة هذه الظواهر الاجتماعية الجديدة من خلال البحث العلمي وعلى أيدي الأخصائيين من أساتذة علم النفس وعلم الاجتماع، تركت الحكومة الكويتية الموضوع ليتلاعب به نواب التيار الديني وفق مفاهيمهم الذهنية المنغلقة، وكانت النتيجة وصول بعض الأفراد المرضى اجتماعياً ونفسياً وعضوياً، إلى السجن، فضلا عن تعرضهم للأذى على أيدي الشرطة من خلال إلقاء القبض عليهم وتحويلهم للقضاء، بدلا من إحالتهم إلى العيادات النفسية المختصة.
لكن لم يسأل هؤلاء أنفسهم، من هم المنحرفون حقاً؟ وهل الانحراف الاجتماعي مثل تعاظم وانتشار الرشوة، والفساد السياسي الذي يمارسه النواب، والفساد الإداري المتفشي في المؤسسات الحكومية، وانهيار المنظومة الأخلاقية في المجتمع الكويتي... أكثر أم أقل خطراً على المجتمع مما يسمى بظاهرة "البويات" والجنس الثالث؟ لقد آثر المنتمون إلى الجماعات الدينية السكوت على "انحراف" المجتمع والحكومة، في مقابل ما أثاروه من صراخ وهيجان ضد مجموعة من الشباب من الجنسين، لا يشكل وجودهم ظاهرة بالمعنى الكامل للمصطلح، بقدر ما هي حالات فردية ذات دلالات نفسية وعضوية في المقام الأول، بحاجة للعلاج أكثر من حاجتها للسجن والعقاب. وهذا ما يدفعنا للسؤال: من هم المنحرفون حقاً؟ "البويات" والجنس الثالث، أم الموظفون والنواب الفاسدون؟ وهل هؤلاء "البويات" والجنس الثالث نتاج مجتمع سوي أم مجتمع منحرف؟ وهل هم أكثر خطراً من الانهيار شبه التام في المنظومة الأخلاقية للمجتمع؟
لقد تمكن المنتمون للجماعات الدينية من إثارة الجانب الديني للموضوع، في مجتمع مهووس ومسكون بهاجسي الجنس والدين، دون أي اعتبار للعقلانية في دراسة الموضوع، ودون أي احترام للخصوصية الشخصية. ومن المعروف أن وضع إنسان في السجن أسهل بكثير من المعالجة الاجتماعية والنفسية. وهذا ما حدث فعلا. فالمجتمع العربي الذي عم فيه الفساد السياسي والإداري والأخلاقي إلى درجة وضعته في أسفل قائمة الدول الخاصة بالشفافية، آخر من يحق له التحدث عن الانحراف الجنسي والذي يُعد من الموضوعات الجانبية لعدم تأثره في مجتمع فاسد أصلا.
التدخل لإطلاق سراح المجرمين، وعدم الاهتمام بالتعليم، والإثراء غير المشروع وتنفيع المقربين من الأهل والأصدقاء، واستغلال الحصانة البرلمانية، والسكوت على أخطاء الحكومة وهدر المال العام، كلها جرائم وليست مجرد ظواهر بحق المجتمع. وضمن ذلك انهيار الدولة القانونية وضعف هيبة السلطة. لكن العقل العربي الديني دائماً يستسهل التعدي على الضعفاء. ولا يوجد في المجتمع أضعف من أولئك الذين يعانون من تهميش المجتمع لهم لأسباب غالباً ما تكون خارج إرادتهم، إن لم تكن قد رافقتهم منذ ولادتهم ولم تجد العلاج المناسب.
لقد كان المؤتمر أقرب ما يكون إلى المؤامرة ضد فئة من الشباب تعيش في عالم خاص بها لأسباب اجتماعية، وجاء نواب الجماعات الدينية ليزيدوا الطين بلّة بتعمدهم عرض الموضوع وكأنه سيؤدي بالدولة إلى الهلاك.
المنحرفون... من هم؟ سؤال يتجنب الكثيرون مواجهته.