السلفيون والديمقراطية
أثناء معرض الرياض الدولي للكتاب في الشهر الماضي علمت من الكاتب السعودي، نواف القديمي، بولادة دار نشر سعودية جديدة يتولى هو الإشراف عليها. اسم هذه الدار "الشبكة العربية للأبحاث والنشر". وقد وجه لي دعوة لزيارة موقع الدار في المعرض. وسرعان ما تبين لي أن الدعوة لم تكن من أجل الزيارة وحسب، بل لإهدائي مجموعة من الكتب التي نشرتها الدار الجديدة، وأخرى من منشورات المركز الثقافي العربي. كانت حقاً هدية جميلة وقيمة، سواء من حيث العدد، أو من حيث تنوع مواضيع الكتب ومضامينها الغنية علماً ومنهجاً. لا يمكنني ذكر كل كتاب هنا. يكفي أن أنوه بأهمها، على الأقل بالنسبة لاهتماماتي، بأمل أن أستعرض ولو بعضاً منها لاحقاً. من بين الكتب التي نشرتها الدار الجديدة، وربما أهمها على الإطلاق كتاب "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الفكر الإسلامي" للمستشرق مايكل كوك. في هذا الكتاب يتتبع كوك مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في القرآن الكريم، والتفسير، والحديث، ولدى المدارس الفقهية السنية والشيعية بكل تفرعاتها. وبحكم اهتمام المؤلف بتاريخ الدولة السعودية والحركة الوهابية، أفرد لتطبيقات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذه الدولة بمراحلها الثلاث فصلا خاصاً باعتبار أن الوهابية والدولة السعودية كانت تمثل، كما يقول" التحول الأعمق أثراً في تاريخ المذهب الحنبلي". ليس لدي الآن ما أقوله عن هذا الكتاب. لكن مع ذلك يبدو لي مما قرأته حتى الآن أنه على درجة كبيرة من الأهمية، الأمر الذي يفرض العودة إليه قريباً لعرضه ومراجعته لقارئ هذه الصفحة.
ومن بين تلك الكتب كتاب بعنوان "التراث والمنهج بين أركون والجابري" للدكتورة نايلة أبي نادر، وهو رسالة دكتوراه. واضح من العنوان أن الباحثة أرادت المقارنة بين المنهج الذي اتبعه كل من محمد أركون ومحمد عابد الجابري في مقاربتهما للتراث. وهي ترى أن أبرز معالم الاختلاف المنهجي بين الإثنين أن أركون اختار إخضاع العقل الديني للنقد، بينما ابتعد الجابري عن الدين وركز اهتمامه على الجوانب الدنيوية من ثقافة وسياسة وتاريخ. وترى المؤلفة أن هذا هو السبب الرئيس وراء شيوع كتابات الجابري وتقبلها لدى القارئ العربي، وهو عكس ما حصل لكتابات أركون. ومن بين الكتب أيضاً كتاب "تجديد فهم الوحي". كنت أعتقد عندما قرأت العنوان لأول مرة أنني بإزاء كتاب فلسفي يتناول مفهوم الوحي مقابل مفهوم العقل، والمقدس مقابل الدنيوي أو التاريخي. ولم أنتبه إلى كلمة "تجديد" في العنوان، وأنها تعني محاولة تخليص الثقافة والفكر الإسلاميين من المعاني التي شاعت فيهما لأسباب سياسية واجتماعية عن موقف الوحي بالنسبة لقضايا مهمة مثل القضاء والقدر، وصورة الغيب، والشورى، وقضية المرأة، ...الخ. يبدو الكتاب مجموعة مقالات، بعضها طويل عن هذه الموضوعات.
أصل الآن إلى الكتاب الذي يسمح لي حجمه الصغير، وأهمية موضوعه، بمراجعته بشيء من التفصيل في هذه العجالة. يدفعني إلى ذلك أن الإشكالية التي يتناولها الكتاب حيوية، ولا تزال محل سجال، وسبق أن تناولتها من قبل. الكتاب هو "أشواق الحرية: مقاربة للموقف السلفي من الديمقراطية"، لصاحبنا، نواف القديمي. هناك نوع من المفارقة بين حجم وأهمية الإشكالية التي يعالجها المؤلف، وبين حجم الكتاب، الذي لا يتجاوز 125 صفحة من الحجم الصغير. ويبرر القديمي ذلك بقوله لي بأن هدفه من الكتاب في الأساس تبشيري، لنشر أفكار سريعة، لكن مستنيرة بين الشباب الذين يتوزعون في ميولهم وانتماءاتهم بين مختلف الحركات والتيارات الإسلامية النشطة، خاصة داخل السعودية. والاهتمام بالسعودية مرجعه المقاومة الشديدة التي تواجهها فكرة الديمقراطية بين السلفيين في هذا البلد العربي. لذلك فهدف المؤلف المساهمة في نشر رؤية مستنيرة للإسلام، كما يراها، متمثلة في انحياز القرآن الكريم والسنة النبوية لقيم الحرية، والاختيار، والديمقراطية، وأن هذه القيم والمبادئ، وما تنطوي عليه من آليات وإجراءات ومؤسسات لن تتصادم في الأخير مع الهوية الإسلامية للمجتمع المسلم.
يحاول المؤلف في صفحات كتابه أن ينافح عن هذه الأطروحة، من خلال معالجة مجموعة من الأسئلة التي عادة ما يطرحها المعترضون على فكرة الديمقراطية. والافتراض هنا أن أصحاب الأسئلة المعترضين هم السلفيون أو مناصروهم. وبالتالي فالكتاب في حقيقته ليس استعراضاً لرؤى ومواقف السلفيين من الديمقراطية، بل محاولة لتفكيك الاعتراضات المعروفة لدى هؤلاء، بهدف الكشف عن خطلها، وانحرافها عن الهدف الذي تسعى لتحقيقه. فإذا كان الهدف هو التمسك بتطبيق الشريعة حفاظاً على الهوية الإسلامية، فالسؤال الذي يكرر المؤلف المطالبة بمواجهته هو: من الموكول بتطبيق الشريعة: الأمة أم الحاكم الفرد؟ وهو ينطلق في ذلك من فرضية بسيطة ومباشرة، وهي أن الأمة أكثر التزاماً بتطبيق الشريعة من الحاكم الفرد. ولا شك أن المؤلف محق في ذلك. لكن كان ينبغي له أن يأخذ هذه المجادلة إلى نهايتها، خاصة وأنه طرح الاحتمال أو التخوف، وكلاهما نظري على أية حال، من أن يؤدي تطبيق الديمقراطية في الأخير إلى تنحية الشريعة. ولا يتردد الكاتب في الإجابة على هذا الاحتمال بأن واجب الحزب الإسلامي في هذه الحالة القبول بموقع المعارضة في الحكم، والعمل من خلال ذلك على إعادة الأمور إلى وضعها الطبيعي. فاته أن تنحية الشريعة بواسطة الأغلبية في هذه الحالة يتضمن -نظريا مرة أخرى- أن أغلبية الشعب إما أنها فقدت هويتها الإسلامية (وهذا احتمال غير وارد)، أو أن نظرتها لهذه الهوية اختلفت عما كانت عليه من قبل. وفي كلتا الحالتين يجب قبول النتيجة، انطلاقاً من قبول المبدأ الديمقراطي. ربط قبول الديمقراطية بضرورة الحفاظ على الشريعة ينطوي على تناقض واضح، لأنه يفترض معنى قارا للهوية الإسلامية وللشريعة. ماذا لو تغيرت مع الوقت، وتبعاً للتغيرات الاجتماعية والثقافية، معطيات ومعالم هذه الهوية؟ وتغير معها تعريف الشريعة؟ هل يظل ذلك تنحية للشريعة عن الحكم؟ وما هي الشريعة في هذه الحالة؟ هل سيبقى هذا تعريفها المتوارث هو المعيار الحاكم في هذه الحالة؟ ألا يتطلب تبني مبدأ الديمقراطية شيئاً من التغيير لمضامين مجموعة من المفاهيم والقيم التي ورثها المجتمع من عصور ومجتمعات إسلامية تفصلها عن المجتمعات الإسلامية الحالية مسافات زمنية وحضارية كبيرة جداً، ومن بين هذه المفاهيم مفهوم "الشريعة" ذاتها؟ أم أن لأمر يتطلب إعادة تعريف الديمقراطية حتى تكون أكثر انسجاماً مع الإطار الإسلامي. التجربة التركية الحالية تقدم مثالا واحداً على هذه الحالة، وإن تكن ليست المثال الوحيد المحتمل.
تتضمن الديمقراطية الحرية، بما في ذلك حرية الرأي والمعتقد، وحرية التعبير. كما تتضمن الانطلاق ليس فقط سياسيا، بل وحتى فلسفيا، من مفهوم الفردية بكل ما ينطوي عليه من حق الفرد في التميز والاختلاف، باعتباره كينونة قائمة بذاتها في إطار كينونة الجماعة والمجتمع. والديمقراطية تعني أن المصدر الأول للسلطة هو الشعب. عندما نأخذ كل هذه المواصفات مع بعضها نجد أن الديمقراطية تتطلب علمانية الدولة، كونها الإطار الذي تمارس في داخله الديمقراطية كامتداد للعملية السياسية في المجتمع الذي تحكمه هذه الدولة. ليس صحيحاً، كما يرى القديمي، أنه يمكن تطبيق الديمقراطية من دون علمانية. والأمثلة التي أوردها لتأكيد ذلك ليست ديمقراطية أساساً، أو مشكوك في ديمقراطيتها. السؤال: إلى أي حد تشكل العلمانية نقيضاً للإسلام وكيف؟ وهل الصيغة الغربية للعلمانية هي الصيغة الوحيدة؟ ألا يمثل الفصل بين مجالي الدين والسياسة في الدولة الإسلامية عبر تاريخها شكلا من أشكال العلمانية؟
رغم ذلك نجح القديمي في وضع الفكر السلفي في موقف صعب أمام خيار الديمقراطية. فهو يأخذ على أصحاب هذا الفكر استغراقهم في عملية نقد تقويضي (سلفي) للديمقراطية، لكن من دون تقديم بديل يكفل تحقيق العدالة، ويضمن الحقوق. بدلا من ذلك، حسب المؤلف، يتعلق هؤلاء بمقولات وافتراضات تزيد الواقع حرجاً. ومن ذلك التأرجح بين قبول مبدأ "ولاية المتغلب"، أو الجنوح نحو العنف. يتساءل: ما هي حدود الكفر البواح عند أرباب الفكر السلفي؟ هل يدخل ضمن ذلك القمع والاستبداد، وسرقة الثروات، ونشر الفساد، وانتهاك الحرمات؟ في السياق نفسه أشار إلى تناقض هذا الفكر بقبوله كل هياكل الدولة الحديثة رغم أن مصدرها هو الغرب ذاته، متسائلا باستنكار: لماذا لا نجد ضراوة الممانعة والرفض إلا حين يكون الحديث عن هياكل السلطة التي تحد من نفوذ الحاكم، وتمنع الظلم، وتضمن الشورى؟