الملاريا: كارثة صحية مرتقبة
ليس من المبالغة في شيء، النظر إلى طفيلي الملاريا على أنه إحدى القوى الرئيسية التي لعبت دوراً مهماً في تحديد مسار التاريخ البشري في العديد من مراحله، حيث تظهر الدراسات الأثرية، أن طفيلي الملاريا قد أصاب -ولازال يصيب- أفراد الجنس البشري على مدار أكثر من 50 ألف عام، وهو ما يعني أن هذا الطفيلي ظل يتغذى فعلياً على البشر منذ اليوم الأول الذي وطئت فيه أقدامهم سطح هذا الكوكب. ويكفي لإدراك مدى قوة العلاقة التاريخية، والتأثير البيولوجي المتبادل بين طفيلي الملاريا والإنسان، النظر إلى التغييرات الوراثية التي نتجت عن هذه العلاقة. فبسبب عدم ملاءمة بعض اضطرابات الدم لنمو وتكاثر الطفيلي، مثل أنيميا الخلايا المنجلية أو الثلاسيميا، انتشرت هذه الاضطرابات وترسخت بين أفراد الجنس البشري. فبسبب أن هذه الأمراض تمنح المصاب بها قدراً كبيراً من الحماية ضد طفيلي الملاريا، كان معدل الإصابات والوفيات بين من يحملون هذه الأمراض الوراثية في دمائهم أقل بكثير، وهو ما أدى إلى زيادة نسبية في عدد المصابين بتلك الأمراض مقارنة بالأصحاء، وبالتالي ترسخ هذه الأمراض الوراثية وانتقالها من جيل إلى آخر. وهو السيناريو نفسه الذي حدث مع أمراض دم وراثية أخرى، مثل المرض المعروف بالحساسية ضد البقوليات (G6PD deficiency)، وبعض الصفات الوراثية الأخرى، إلى درجة أنه يمكن للعلماء التنبؤ بمدى احتمال انتشار هذه الاضطرابات الوراثية بين سكان بلد أو مجتمع ما، بناء على مدى انتشار وتوطن طفيلي الملاريا بين أفراد ذلك البلد أو المجتمع.
وحتى يومنا هذا، لا زال طفيلي الملاريا من أهم القوى المؤثرة في مقدرات البشر في العديد من مناطق العالم، حيث يصيب هذا المرض قرابة الـ250 مليون شخص سنوياً، يلقى أكثر من مليون منهم حتفهم، مما يجعل الملاريا من أكثر الأمراض المعدية فتكاً بالبشر على الإطلاق، وخصوصاً بين الأطفال، حيث تشير التقديرات إلى وفاة طفل بالملاريا كل 30 ثانية. وهو ما يعني أن عدد الأطفال الذين يموتون كل ساعة في كل يوم بسبب الملاريا، يزيد بأكثر من الضعف عن عدد من قتلهم فيروس إنفلونزا الخنازير خلال الشهور الثلاثة الماضية منذ ظهوره. وبخلاف هذا الثمن الإنساني الباهظ الذي ربما لا يضاهي فيه الملاريا غير فيروس الإيدز، وميكروب السل، يتسبب طفيلي الملاريا أيضاً في خفض الناتج الاقتصادي الإجمالي للدول المستوطن بها المرض، وهي نسبة كبيرة بالمعايير الاقتصادية. وعلى رغم تقارب عدد الوفيات بين الملاريا وبين الإيدز، إلا أنهما يختلفان اختلافاً جوهرياً، من حيث إن الإيدز تحدث غالبية الإصابات به من جراء سلوك الشخص، سواء عن طريق الاتصال الجنسي أو استخدام الحقن الملوثة لتعاطي المخدرات، بينما ينتقل طفيلي الملاريا غالباً إلى الأطفال خلال نومهم في أحضان أمهاتهم، عن طريق لدغات البعوض المصاب بالمرض.
وخلال عشرات الألوف من السنين، كانت العلاقة بين طفيلي الملاريا والإنسان نوعاً من الحرب، ضحاياها من جانب واحد، إلى أن تمكن الطب الحديث في بدايات القرن العشرين من اكتشاف سبب المرض وطريقة انتقاله، بعد أن ظل الأطباء على مر العصور يعتقدون أنه ينتج من استنشاق هواء المستنقعات الفاسد. وقد اعتمدت أولى خطوط الدفاع البشرية حينها، على مادة كيميائية طبيعية (Quinine)، تستخلص من لحاء أشجار تنمو على سفوح جبال الإنديز، وكان يستخدمها السكان الأصليون لعلاج الملاريا. وهذه الاستراتيجية في الاعتماد على مواد كيميائية تنتجها النباتات، لا زالت تشكل الأساس في أحدث أنواع العقاقير (Artemisinin) المستخدم لعلاج المرض، والمستخلص هو الآخر من أحد أنواع الأشجار التي تنمو في القارة الآسيوية، وذكر كعلاج للحمى في أحد كتب الطب الصيني التقليدي في القرن الرابع بعد الميلاد.
ولكن على ما يبدو أن طفيلي الملاريا، الذي اعتمد على دماء البشر لعشرات الألوف من السنين في النمو والتكاثر والانتشار، لا ينوي الاستسلام للهزيمة بسهولة. فخلال السنوات الأخيرة، تزايدت مقاومة الطفيلي لأكثر العقاقير فعالية وأرخصها ثمناً (Chloroquine)، فلسبب غير معروف، تمكن الطفيلي الذي يقطن غابات جنوب شرق آسيا، من توليد مناعة ومقاومة ضد هذا العقار السحري، انتشرت بعدها إلى القارة الأفريقية وبقية مناطق العالم.. وهو ما اضطر الأطباء إلى اللجوء إلى العقار الأحدث، (Artemisinin)، الأكثر تكلفة، لوقف النزيف البشري المستمر من ضحايا الملاريا. ولكن للأسف، على ما يبدو سينتهي هذا العقار أيضاً بنفس مصير العقار الأول، حسب ما نشرته وسائل الإعلام الأسبوع الماضي. حيث أطلق مجموعة من العلماء يعملون على مكافحة الملاريا في غرب كمبوديا، تحذيراً من بدء ظهور مقاومة لدى الطفيلي ضد العقار الثاني. ففي الأحوال الطبيعية، كان المرضى الذين يعالجون بهذا العقار، يتخلصون من الطفيلي الموجود في دمائهم خلال ثلاثة أيام فقط. ولكن، حالياً أصبح العقار الجديد يحتاج خمسة أيام، قبل أن يتمكن من القضاء على الطفيلي تماماً. والموضوع هنا ليس موضوع زيادة اليومين، ولكنه علامة على أن الطفيلي أصبح أكثر مقاومة وأقل تأثراً بالعقار الحديث، وهو ما يعني أنه بمرور الوقت ربما قد ينجح في توليد مناعة ومقاومة كاملة، تجعل العقار عديم الجدوى تماماً ضد الطفيلي. وهذا ما يعتقد العلماء أنه سيؤدي إلى كارثة صحية دولية، في ظل مقاومة الطفيلي للعقاقير القديمة، وعدم وجود أبحاث أو أدوية أخرى تحت الاختبار حالياً لمكافحة المرض، ولعدة سنوات قادمة. ويكفي لإدراك حجم هذه الكارثة، استعادة حقيقة أن الطفيلي يقتل حالياً مليون شخص سنوياً، في ظل وجود أدوية فعالة ضده، وهو العدد الذي ربما قد يتضاعف إذا ما نجح في مقاومة هذه العقاقير خلال السنوات القليلة القادمة.