هل يمكن أن ينقرض العرب؟!
في مطلع تسعينيات القرن المنصرم، نظم نزار قباني قصيدته الشهيرة "متى يعلنون وفاة العرب"، فأثار بها غباراً لا يزال بعضه يلبد أجواء العالم العربي. وبعد ستة عشر عاماً، جاء الشاعر والناقد المثير للجدل أحمد علي سعيد إسبر (أدونيس) ليقول لمستضيفيه من الأكراد "الحضارة العربية معرضة للانقراض"، فيلقى اغتباطهم وتصفيقهم، فينتفخ ويظن أن الجهل الذي تفوه به قادر على الصمود وجلب الإعجاب، ومغالبة كل من يواجهه رداً وصداً وتفنيداً.
لم يكن قباني سوى شخص قانط من أداء أمة نسيت تاريخها المجيد، لكن يأسه وغيظه ومراراته لم تفسر إلا في إطار "النقد" الصريح المباح، الذي يأتي من رجل يقف على الأرضية ذاتها التي تتجاور عليها أقدام الناس. أما ما قاله أدونيس، فلم يتعامل معه منصف إلا في إطار "النقض" الذي يقوم على رغبة دفينة في الإساءة للثقافة العربية.
إن مقولة أدونيس تنطوي على جهل فاضح؛ لأنها تقرأ التاريخ بالمقلوب، وتنتصر للأهواء على حساب الحقائق الجلية، التي تقوم على توقعات الباحثين المختصين. فها هو فرناند بروديل يرى أن "كافة الحضارات البشرية في وقت، طال أم قصر، إلى نوع من التماثل في التطبيقات التقنية، وبالتالي تتماثل طرق المعيشة. لكن هذا التماثل في مجال التقنيات لا يعني أبداً خلق أنماط إنسانية، بل ستظل هناك عدة حضارات متمايزة جداً، وذلك بحكم اختلاف البشر، وهو اختلاف طبيعي، لا جدال فيه. وسيكون لفظ الحضارة على المدى البعيد، سواء احتفظ بطبيعته الفردية أو الجماعية، أو بهما معاً، لفظاً لا يتوقف أمامه المؤرخون، أو يترددون بشأنه في الوصول إلى رأي صريح حازم قاطع".
وظني أن هذا الرأي القاطع لن يخرج عن الإيمان بثلاثة أمور أساسية، الأول هو أن الحضارات الإنسانية لا تفنى كلية، ولا تنتهي أبداً إلى العدم، بل هي تندمج، أو ما تبقى منها، في الحضارة التي تليها. والثاني هو أن أي حضارة، مهما علا شأنها فمصيرها إلى التراجع، لتفسح الطريق أمام غيرها ليتقدم، وهذه سُنة حياتية لا فكاك منها، مهما طال الزمن بتسيد حضارة ما. أما الثالث، فهو أنه لا يوجد ما يمنع منعاً حتمياً أن تعود حضارة أفل نجمها إلى سابق توهجها وعطائها. فالحضارات الإنسانية تتوارث مجدها وإمكاناتها، ويركب بعضها بعضاً في رقائق متتابعة عبر التاريخ البشري المديد. كما أن كل حضارة في حد ذاتها لا تفنى كلية، وإن تخلفت عن الركب، وسلمت الراية لغيرها، بل يبقى هناك أثر موجود ينقله جيل إلى جيل. فلا يزال لدى المصريين المعاصرين نصيب من الحضارة الفرعونية، والأمر نفسه ينطبق على أحفاد الآشوريين والبابليين والصينيين والهنود. ويظهر هذا الوضع بجلاء إن أمعنّا النظر في الحضارة العربية- الإسلامية، التي أفل نجمها، لكن لا يزال العرب والمسلمون يقتاتون على عطائها الروحي والقيمي، الذي لم ولن يفنى.
وقد رسخ "وول ديورانت" هذا التصور في موسوعته الأثيرة "قصة الحضارة"، حيث روى تاريخ المدنية في خمسة أجزاء مستقلة، وأطلق على كل منها لفظ "تراثنا" ليبرهن من خلال "نا" الـ"نحن" على إيمانه بالإرث الإنساني المشترك، متناولاً تاريخ الحضارة على حلقات خمس تبدأ بالتراث الشرقي، فالكلاسيكي، ثم الوسيط، وبعده الأوروبي، فالحديث. ثم يدافع عن اختياره الشرق نقطة لانطلاق الحضارات الإنسانية بقوله: "إن قصتنا تبدأ بالشرق، لا لأن آسيا كانت مسرحاً لأقدم مدنية معروفة لنا فحسب، بل كذلك لأن تلك المدنيات كونت البطانة والأساس للثقافة اليونانية والرومانية، التي ظن (البعض) خطأ أنها المصدر الوحيد، الذي استقى منه العقل الحديث، فسيدهشنا أن نعلم كم مخترعاً من ألزم مخترعاتنا لحياتنا، وكم من نظامنا الاقتصادي والسياسي، ومما لدينا من علوم وآداب، وما لنا من فلسفة ودين، يرتد إلى مصر والشرق... والتعصب الإقليمي الذي ساد كتابتنا التقليدية للتاريخ، الذي تبدأ روايته من اليونان، وتلخص آسيا كلها في سطر واحد، لم يعد مجرد غلطة علمية، بل ربما كان إخفاقاً ذريعاً في تصوير الواقع، ونقصاً فادحاً في ذكائنا".
وعلى رغم التخلف المادي الذي أصاب الشرق في العصور الحديثة والمعاصرة، بينما أخذ الغرب بأسباب التقدم التقني، ووصل فيه شأناً عالياً، فإن المراكز الحضارية القديمة لا تزال تقدم رؤية مغايرة في الجوانب الروحية والفنية، علاوة على أن بعض دولها أخذت هي الأخرى تسرع على درب امتلاك صناعة متطورة تعتمد على أعلى مراتب التقنية ومراحلها. وهنا يقول زكي نجيب محمود: "نستطيع أن نقول، على وجه الإجمال، إن في العالم طرفين مختلفين من حيث النظرة إلى الوجود، أما الشرق الأقصى فطابعه الأصيل العميق هو النظر إلى الوجود الخارجي ببصيرة تنفذ خلال الظواهر البادية للحس إلى حيث الجوهر الباطن، فيدرك ذلك الجوهر بحدس مباشر يمزج ذاته في ذاته مزجاً تفنى معه فردية الفرد لتصبح قطرة في الخضم الكوني العظيم، وتلك النظرة المعتمدة على اللمسة الذاتية المباشرة، التي لا تحتاج إلى تعليل وتحليل ومقدمات ونتائج، وهذا ما يميز الفنان في نظره إلى الأشياء... أما الغرب، فطابعه الأصيل العميق هو النظر إلى الوجود الخارجي بعقل منطقي تحليلي، يقف عند الظواهر مشاهداً لها وهي تطرد، وتتابع على هذه الصورة أو تلك، فيجعل من هذه الاطرادات في الحدوث قوانين يستخدمها بعدئذ في استغلال الظواهر الطبيعية على النحو الذي يرتضيه، وتلك هي نظرة العلم.. وهي نظرة لا تنفي بطبيعة الحال أن يكون في الشرق علماء، وفي الغرب رجال فن ودين، لكننا نطلق القول على وجه من التعميم الواسع، الذي يفسر بعض التفسير ما هو شائع على الألسنة من وصف الشرق بالروحانية، ووصف الغرب بالمادية".
وحتى داخل العلم ذاته، أو المنظومات المعرفية البحتة، فإن الشرقيين، ومنهم العرب، لديهم رؤية ومنظور للظواهر الإنسانية والطبيعية، مختلف عن تلك التي يتصف بها الغربيون، وهنا يقول عالم النفس الأميركي ريتشارد إي نيسبت في كتابه القيم "جغرافية الفكر" إن الهيكل الاجتماعي ومعنى الذات اللذين يميزان الشرقيين من الغربيين، يتلاءمان تماماً مع المنظومات العقيدية والعمليات المعرفية عند كل منهما. فالطبيعة الجمعية والتكاملية للمجتمع الآسيوي تتسق مع نظرة الآسيويين العامة والمتداخلة إلى العالم، ومع إيمانهم بأن الأحداث شديدة التعقد والتحدد بسبب عوامل كثيرة، وتبدو الطبيعة الفردية والمستقلة للمجتمع الغربي متسقة مع تركيز الغرب على الموضوعات الجزئية في استقلال عن سياقها، وكذا مع إيمان الغربيين بأن بإمكانهم معرفة القواعد والقوانين الحاكمة للموضوعات ومن ثم يمكنهم التحكم في سلوكهم. ثم ينتهي إلى القول إن: "الشرق والغرب يمكن أن يساهما في نشوء عالم مزيج، حيث تتمثل الجوانب الاجتماعية والمعرفية لكل من الإقليمين، ولكن في صورة متحولة، تماماً مثل المكونات الفردية لطعام ما، حيث يمكن تمييزها وإن تغيرت وتغير معها الكل. ولعلنا لا نبالغ في الأمل بأن هذا الطعام سيحتوي على أفضل ما في الثقافتين".
إن العرب يتناسلون ولذا لن ينقرضوا كبشر، كما أن الثقافة العربية ستبقى إلى الأبد؛ لأن لغتها تتعزز وتتمدد لحاجة الداخلين إلى الإسلام من كل الأصقاع إلى تعلمها، وبالتالي المساهمة في إثراء الثقافة العربية المعاصرة، فإن فلكلور البلاد التي دخلها العرب في تاريخ متأخر مثل مصر، تقطع بتجذر الثقافة العربية واستمرارها. فالأبطال الأسطوريون الذين تحفل بهم السير الشعبية المصرية هم عرب، مثل "أبو زيد الهلالي"، و"سيف بن ذي يزن"، و"حمزة البهلوان"، و"الزير سالم"، و"ذات الهمة".
نعم، لم تغفل القريحة المصرية السيرة الفرعونية، في "إزيس وأزوريس" و"كليوباترا وأنطونيو" و"عايدة"، ولم تنس حكمة "الفلاح الفصيح" أو ورع "إخناتون" المنادي بالتوحيد، لكن كل هذه الحكايات ظلت ذات طابع نخبوي، بينما غلب الطابع العربي- الإسلامي على القريحة الشعبية. وكافة البلدان العربية تشبه مصر في هذه الحالة.