كلما تجدد الحديث عن عدوان الثاني من أغسطس 1990، تجدد معه اتهام الكثيرين من الإعلاميين والمحللين العرب، لسفيرة الولايات المتحدة في بغداد آنذاك، "أبريل جلاسبي"، بأنها أوحت لصدام بفكرة "غزو الكويت"، وأعطته الإشارة الخضراء أو الصفراء، ليقدم على فعلته النكراء التي لايزال الملايين في العراق ودول الخليج والعالم العربي يدفعون ثمنها. ولكن محاضر الاستجواب الأميركي للرئيس العراقي السابق في السجن، والذي نشرته بإحدى الصحف على حلقات ابتداءً من 2009/7/3، وتفاصيل إجابات "صدام" عن أسئلة المحققين، أثارت شكوكاً كبيرة في صحة الاتهام الموجه للسفيرة الأميركية، وبينت بجلاء أن غزو الكويت واجتياحها كان قراراً اتخذه رأس نظام العدوان، لأسباب تحدث عنها بالتفصيل في هذه المحاضر، ولا يمكن لأي طرف خارجي أن يكون مسؤولاً عنه، خاصة السفيرة "أبريل جلاسبي". وقبل أن نتناول ما جاء في اعترافات الديكتاتور، نود التذكير بالمقابلة التي أجرتها صحيفة "الحياة" اللندنية مع السفيرة قبل عام، ونشرتها على حلقتين يومي 15 و16 مارس 2008. وأكدت خلالها السفيرة أن الصيغة الواسعة التداول لكلامها، والذي نشر في كل مكان، من فبركة وزير خارجية النظام طارق عزيز، والتي جاء فيها، كما زعم عزيز، أنها قالت لصدام: "إن الحكومة الأميركية لا تتدخل في الخلافات الحدودية بين دولتين عربيتين". هذه الصيغة، حسب جلاسبي، "من اختراع طارق عزيز المعروف عنه أنه سيد الكلام بصفته وزير إعلام سابق ورئيس تحرير لصحيفة. والمؤكد أنني لم أعط صدام أي فكرة من نوع أننا لن نتدخل في خلاف حدودي، بل إن ما قلته هو أنه ينبغي ألا يتدخل في الكويت ولا في أي مكان آخر". ثم قُطع اللقاء! وسبب انقطاع الحديث، تضيف السفيرة، أن صدام حسين "وقف بتهذيب بعد دخول أحد الأشخاص، وقال أرجو المعذرة، لديّ اتصال مهم. فجلسنا جميعاً ننتظر عودته، وعاد ليقول لنا إن الرئيس المصري اتصل به، وأنه أبلغ مبارك أن عليه ألا يقلق، وأن ليس هناك مشكلة، وأنه يتعامل مع الأمور من دون إثارة المشاكل، وكل شيء سيكون على ما يرام". فقلت له: أي للرئيس صدام: "إنني سأبلغ رئيسي -جورج بوش الأب- بأنك أكدت لي أنه لن تكون هناك مشكلة. وسألتها الصحيفة: "هل أساء قراءة ما قلتيه له"؟ فأجابت: "أعتقد أنه كان يستمع، لكنه اعتبر أنني كنت أتحدث من تلقاء نفسي، وأنه ليس لدى حكومتي أي قدر من الشجاعة، وأننا لن نقاتل، خصوصاً من أجل هذه الرقعة الصغيرة من الصحراء التي تمثلها الكويت". وتضيف السفيرة" "وعندما كنت أودعه، قال لي صدام شيئاً لا أذكره بدقة، إنما كان معناه، بإمكانك الذهاب الآن، فارتاحي واستمتعي بالإجازة، ولكن عليك إبلاغ رئيسك، وكررتُ -له- أنه ينبغي عدم القيام بأي عمل ضد الكويت". ورغم أن وزير خارجية العراق أو مستشار صدام السيد طارق عزيز كما تقول السفيرة، هو المسؤول عن الصيغة المتداولة لكلامها مع صدام، فإن معرفة وقراءة انطباع طارق عزيز بدوره عن حديث السفيرة، مهم للغاية! هذا الانطباع ننقله للقارئ عن مقابلة نشرها الصحفي الأميركي "ملتون فيورست" في كتابه "القلاع الترابية" Sandcastles، من منشورات عام 1994، وقد زار "فيورست" بغداد في أبريل 1991، بعد انتهاء حرب تحرير الكويت مباشرة، ووصل إليها بسيارة أجرة من عمّان. كان الصحفي الأميركي قد سمع الكثير عن "المؤامرة الأميركية" ودور السفيرة "جلاسبي"، وإجماع العرب في كل مكان، على أنها هي التي خدعت الرئيس صدام ليغزو الكويت. وفي بغداد، حصل "فيورست" على موعد في يوم لاحق لمقابلة طارق عزيز، أحد رجالات النظام البارزين، والأهم من ذلك، أنه كان قد حضر لقاء السفيرة مع الرئيس صدام قبل غزو الكويت. تحدث الوزير "عزيز" مطولاً للصحفي الأميركي عن جذور المشكلة العراقية - الكويتية. ثم اشتكى من تجاهل الولايات المتحدة الاستماع للعراق، وأن أميركا كانت تتآمر ضد العراق! والآن تأتي فقرة مهمة في الكتاب تتعلق بالسفيرة، أترجمها حرفياً من كتاب "فيورست": "عندما سألتُ (عزيز) كيف يفسّر لقاء صدام مع (جلاسبي)، الذي حضره هو كذلك، تبنى وجهة نظر مستقلة. وقال: (بما أنني كنت وزير الخارجية، فإنني أفهم عمل السفير، وإنني أعتقد أن تصرف جلاسبي كان صحيحاً، إذ كانت قد استُدعِيَت فجأة، وكان الرئيس يُريد إبلاغها أن الوضع آخذ بالتدهور، وأن حكومتنا لن تتخلى عن خياراتها - تجاه الكويت - كما أراد أن يضيف أن العراق لم تكن معادية للولايات المتحدة)". أما تقييم طارق عزيز لحديث السفيرة؟ فيقول مضيفاً: "نحن نعلم أنها كانت تتصرف بموجب التعليمات المتوافرة، وقد تحدثت - أي السفيرة - بلغة دبلوماسية غامضة، وكنا نعرف وضعها. تصرُّفها كان تجاوباً دبلوماسياً نموذجياً، ولم نكن متأثرين به". أما قرار غزو الكويت، أضاف عزيز، "فقد صدر فقط بعد انهيار المباحثات الكويتية- العراقية في جدة في الأول من أغسطس ". المقابلة جرت وسط تعاطف شعبي واسع مع صدام في العالم العربي والإسلامي، ولو كان ركز هجومه ولومه على السفيرة الأميركية "والخدعة الأميركية" لصدقه الجميع، ولكتب عنه المزيد من المجلدات. ومع ذلك، نظر عزيز بموضوعية كبيرة إلى المقابلة، وفي إطار دبلوماسي واضح. نأتي الآن إلى أقوال صدام، من خلال التحقيقات التي نُشرت، ولم نسمع حتى الآن أي اعتراض أو نفي من "البعثيين" العراقين، أو بقايا رجال النظام المنهار، لما جاء فيها، مما يعني أنها تعبِّر فعلاً عن آراء صدام في القضايا التي تحدث عنها. سأختار أولاً فقرة من محضر جلسة الاستجواب التاسعة، 24-2-2004 وجاء فيها: "أفاد صدام بأنه قبل غزو الكويت، كان هُناك اجتماع لمجلس قيادة الثورة العراقي، حيث تمت مناقشة الموضوع، وكانت قيادة مجلس قيادة الثورة العراقية تأمل أن "يتدخل" السعوديون ويجدوا حلاً. وقد سافر نائب رئيس مجلس قيادة الثورة العراقية إلى المملكة العربية السعودية لطلب المساعدة لكنه رجع من دون تحقيق الغرض من الزيارة. ولذلك، لم يكن هُناك غير مناقشة الأمر من جانب اتخاذ عمل عسكري. وقد أفاد صدام أنه ربما عارض عضو أو اثنان فكرة الغزو، لكنه لم يتذكر هذين العضوين على وجه الخصوص. وأفاد صدام بقوله: "لقد كنت ضد الهجوم إذا كان هناك حل آخر". وتم اتخاذ القرار النهائي بغزو الكويت على أساس أن "الهجوم خير وسيلة للدفاع". وقد برر صدام الغزو كذلك بناء على الحقائق التاريخية. وقال، إن التاريخ يقول إن الكويت جزء من العراق. وقال صدام إن هدف الغزو كان هو "المُعلن عنه"، وهو أن يحكم الكويتيون أنفسهم ويقرروا نوع العلاقات التي سوف تكون مع العراق. وبالنسبة لقادة الكويت، فقد قال صدام إنهم "خائنون" للعراق والكويت وكل الدول العربية. وقد استمر هؤلاء القادة في التآمر حتى بعد تركهم للكويت إثر الغزو العراقي. فقد كانت الولايات المتحدة هي التي تتحكم فيهم. وقد أفاد صدام بأن الكويت تستحق "عشر ضربات".. وقال صدام إن إعلان الكويت كمحافظة رقم 19 كان "مستحقاً ومنطقياً". وإذا لم يكن هذا كله كافياً في تحميل صدام مسؤولية الاعتداء على الكويت مسؤولية كاملة، فإن أقواله بل وتباهيه بخبرته العسكرية في محضر جلسة الاستجواب يوم 3-3-2004، كفيلة بإزالة كل شك أو شبهة حول هذه المسؤولية، وقد جاء في الصحيفة ما يلي بالنص: "قبل بدء المقابلة، قيل لصدام إن هذه الجلسة سوف تكون استكمالاً لجلسات النقاش المتعلقة بغزو الكويت. وقد قال صدام إنه الذي وضع خطة الغزو العراقي للكويت، ولأن الكويت، جغرافياً، هي في الأساس أرض مفتوحة، فلم تكن هناك حاجة إلى خطط تكتيكية محددة، أو مصادر قوة معينة للقيام بتلك العملية. لماذا لم يقل صدام شيئاً عن الانخداع بكلام السفيرة في كل هذه المحاضر التي تحدث فيها عن أشياء كثيرة؟ وإذا كان تلاعب ما قد جرى في مضمونها ومحتوياتها، فلماذا لم نسمع شيئاً عن هذه السفيرة أثناء محاكمة "القائد الضرورة" وضجة مناصريه التي صكت مقالاتهم ومقابلاتهم آذاننا تمجيداً فيه؟ وإذا كان قد خدع حقاً، فهل يعفيه هذا من مسؤوليته التاريخية والجنائية والعسكرية؟ وإذا لم يكن قد خُدع، كما يؤكد طارق عزيز والرئيس صدام في هذه المحاضرة، فلماذا يستمر انخداع المثقفين والإعلاميين العرب بتأثير هذه المقابلة؟ خليل علي حيدر