الاستقلال السياسي والشرط التكنولوجي
لم يؤثر نشاط اجتماعي في المجتمع الإنساني قدر ما أثرت وتؤثر التكنولوجيا، فهي عصب الحياة المعاصرة وأساسها، ولا يمكن لأي مجتمع أن يبني ويعيش من دونها. ومن يملك التكنولوجيا يملك السيطرة في مجال عملها. وهي ليست صناعة جهاز أو مجموعة أجهزة، وإنما هي منطق متكامل يشمل الابتكار والبحث والصناعة والاقتصاد والسياسة. وهناك الآن اتجاهات فكرية كثيرة تقارب مفهوم وقيمة التكنولوجيا، وأهميتها في كل مفردة من مفردات حياتنا، مهما كانت بسيطة. والحال أنها أصبحت بمثابة الأوكسجين الذي لا حياة بدونه، وكأنها الآن أوكسجين الحضارة المعاصرة.
لقد تطورت التكنولوجيا المعاصرة على الأسس العلمية التي تم اكتشافها خلال القرون الأربعة الماضية. والمجتمعات التي ساهمت في تطوير المعرفة العلمية خلال تلك الفترة تمتلك الآن السيطرة التكنولوجية. فالقرون الأربعة الماضية فعلت فعلها وغيرت وجه التاريخ. ولو لاحظنا النشاط الاستعماري خلال تلك الفترة نجد أن النشاط التكنولوجي كان هو الأساس في توسيع وترسيخ الاستعمار. إن مصير العالم بيد اللاعب التكنولوجي. وفي المقابل عاشت الدول التي تخلفت عن ركب التكنولوجيا مثل الدولة العثمانية (الرجل المريض) عصراً كارثياً فقدت خلاله زمام المبادرة حتى في عصرنا الراهن. ولذا دخلت هذه الدول القرن العشرين وهي ما تزال حتى الآن في حواضن الأوكسجين الغربي. وطبعاً لا يمكن لهذه الدول ضعيفة البناء أن تعيش مستكفية من دون تكنولوجيا أو أوكسجين الغرب.
ومفهومٌ أن المعاصرة بلا شك تعني لدى الكثير من العرب والمسلمين مسايرة الغرب تحديداً، والاقتباس من إنتاجاته الفكرية والتكنولوجية. ولذا فدائما ما يتهم كل من يدعو إلى التحديث في المجتمعات العربية بأنه \"غربي\" أو \"متغرِّب\" وذلك لعدم وجود حاضر عربي متطور، فالماضي هو الموجود الوحيد ولكي تكون مقبولا ينبغي أن تعيش في الماضي! وعلى رغم أن هذه المجتمعات لا يوجد شيء في حياتها غير مستورد أو غربي المنشأ فإنها تقف أمام أي تحديث بحجة أنه \"غربي\"!
ولو شئنا الاختصار، يمكن القول إن مشكلة الغرب والدول النامية، في الوقت الحاضر، هي مشكلة من يملك القوة ومن لا يملكها. والقوة في الوقت الحاضر هي قوة التكنولوجيا. ولا يوجد الآن مجتمع قادر على الاستقلال بصورة مطلقة. فالغرب نفسه، وحتى أميركا، يعتمد في الكثير من مصادره على دول العالم المختلفة، ولكن يبقى إلى حد الآن هو المصدر الأساسي للإبداع العلمي والتكنولوجي في العالم.
وبالنسبة للدول العربية التي فقدت زمام المبادرة العلمية منذ قرون فهي تعيش بعيداً عن مركز الحضارة العالمية الراهن. وأبعد ما تكون عن عالم العلوم والتكنولوجيا التي يمكن أن تسند مجتمعاتها. وهذه المجتمعات لا تملك إمكانية الدفاع عن نفسها أو إطعام شعوبها بإمكانياتها الذاتية.
إن كل هذه الدول وللأسف تعيش بعيداً عن الاكتفاء التكنولوجي، وهذا لا يعد وهماً كبيراً. وحتى لو كان وهماً إعلامياً فإنها لا تملك أيضاً تصنيع تكنولوجيا الإعلام والدعاية لتفنيده. ولا تملك أغلبية هذه الدول حتى إمكانية صناعة أعلامها الوطنية بمصانع من تكنولوجيتها المحلية. ولا تستطيع أن تدافع عن نفسها أو تحارب إلا بالمقدار المسموح لها به من قبل الدول المنتجة للسلاح الذي تشتريه. وحتى الكتب الدينية ومستلزمات الإرشاد الديني يتم استيراد أجهزتها من بلاد \"الكفار\" التي أبدعت وصنعت تلك التكنولوجيا. والأدهى من ذلك أن الشركات الصناعية الأجنبية تتبارى على توفير مستلزمات دينية محلية بإطار تكنولوجي معاصر مثل الساعة التي تطلق الأذان. أو أجهزة الإرشاد إلى القبلة.
والطامة الكبرى أن هذه الدول، أو المجتمعات، لا يتردد بعضها في اتهام بعض آخر بعدم الاستقلال الاقتصادي، وكأن كل واحد منها قطباً عالمياً فريداً. لقد فقدت تلك المجتمعات إمكانية أن تكون دولا قوية منذ أن فقدت حرية التفكير، ورضيت الجمود الفكري المؤدلج منذ قرون. إنها لا تملك سوى التحرك ضمن حدود رسمها اللاعبون التكنولوجيون. ورحم الله امرءاً عرف قدر نفسه.
د. محمد عز الدين الصندوق
كاتب وباحث من إنجلترا
ينشر بترتيب خاص مع خدمة \"منبر الحرية\"