ملف الاستيطان: تكتيك وامتيازات
تحت عنوان "الخطأ والسذاجة والتلون"، كتب عضو الكنيست الإسرائيلي الأسبق "يشعياهو بن فورت" في صحيفة "يديعوت أحرونوت" بتاريخ 14 يوليو 1972، قائلا: "الحقيقة هي أنه لا صهيونية بدون استيطان، ولا دولة يهودية بدون إخلاء العرب ومصادرة أراض وتسييجها". والحقيقة أن هذا القول هو الخلاصة الأكثر تعبيراً عن فلسفة الاستيطان (الاستعمار)، أي التطبيق العملي للفكر الاستراتيجي الصهيوني الذي انتهج فلسفة الاستيلاء على الأرض الفلسطينية، بعد طرد سكانها الفلسطينيين بوسائل شتى ودعاوي عديدة، دينية وتاريخية، أبعد ما تكون عن الحقيقة. لذا تبقى الحركة الاستعمارية (الاستيطانية) الإسرائيلية القضية الأكثر إثارة للجدل بين الجانبين الإسرائيلي والأميركي، سواء مع مضي حكومة نتنياهو في غيها، أو مع إعلان أوباما في أكثر من مناسبة عن عدم قبول الولايات المتحدة بشرعية الاستمرار في بناء المستعمرات لكونها تمثل انتهاكاً للاتفاقات السابقة ولأنها تقوض الجهود المبذولة لتحقيق السلام.
ومعروف للقاصي والداني أن أوباما يتعرض لضغوط متتالية من جانب عدة أطراف ومراكز قوى لتعديل سياسته تجاه "الاستيطان" الإسرائيلي، أبرزها ما بدى واضحاً في توجيه 71 عضوا بمجلس الشيوخ (من أصل 100 عضو) خطاباً لرئيس البيت الأبيض، يوم 10 أغسطس الماضي، تضمن ضرورة قيامه بتشجيع القادة العرب للتطبيع مع إسرائيل مقابل ما وصفه الخطاب بالجدية التي أبداها رئيس الوزراء الإسرائيلي تجاه عملية السلام بقبوله حل الدولتين علناً والمساعدة في التنمية الاقتصادية للضفة الغربية!
وفي سياق التمسك الإسرائيلي، على كافة المستويات، بالاستعمار (الاستيطان)، تجب الإشارة إلى أن مستوى حياة "المستوطنين" في مستعمرات الضفة الغربية، هو الأفضل مقارنة مع مستوى معيشة الإسرائيليين داخل "الخط الأخضر". وقد نشرت وسائل الإعلام في الدولة الصهيونية مؤخراً حقائق ومعطيات منتقاة من الكتاب الإحصائي السنوي الذي يصدر عن جهاز الإحصاء الإسرائيلي، حيث تبين أن هناك هوة كبيرة بينهما. وتشير المعطيات نفسها إلى أن مستوى دخل العائلة في "المستوطنات" أعلى من المتوسط بنحو (10%). وبحسب نتائج الاستطلاع الاجتماعي لمكتب الإحصاء المركزي، يتبين أن الوضع الصحي لنحو 91% من "المستوطنين" في الضفة الغربية "جيد" ويصل إلى مستوى "جيد جداً" مقابل المتوسط في إسرائيل الذي لم يتعد (73%). ومن المؤشرات الأخرى كون معدل المشاركة في قوة العمل المدنية أعلى في "المستوطنات" حيث بلغ 62?، في حين لم تتعد النسبة 56% كمتوسط إسرائيلي عام. أما معدل البطالة في "المستوطنات" فهو أقل تقريباً بنحو واحد في المئة مقارنة بمتوسط معدل البطالة في إسرائيل والذي وصل 8% خلال عام 2008. واللافت أن المستعمرات كانت أكثر جاذبية لليهود. ففي حين استقطبت المستوطنات 4700 "مستوطن" في عام 2008، تم تسجيل هجرة معاكسة من غالبية المدن والتجمعات الإسرائيلية داخل "الخط الأخضر" خلال نفس العام.
كذلك، وفرت الحكومات الإسرائيلية منذ عام 1967 للمستوطنين ما لم توفره لـ"مواطنيها" في فلسطين "48". من هنا تبدو مسألة نجاح إدارة أوباما في وقف الاستيطان أولا غير مجدية حتى الآن. فالرحلات المكوكية للمبعوث الأميركي جورج ميتشل في المنطقة لم تؤد إلى نتيجة، وقد فشلت آخرها كما فشلت سابقاتها، وإسرائيل ما زالت مصرة على استمرارها في التوسع "الاستيطاني"، في ظل ما نشرته وسائل الإعلام الإسرائيلية بشأن وثيقة بلورتها وزارة الخارجية الإسرائيلية تتضمن الخطوط الرئيسية للسياسة الخارجية الإسرائيلية في السنوات القريبة. وأهم ما جاء فيها توصية بعدم جدوى التوصل إلى حل دائم مع الفلسطينيين، وتوصية أخرى بعدم الاعتماد بشكل كلي على الولايات المتحدة الأميركية. وحسب الوثيقة التي رفعت إلى وزير الخارجية الصهيوني ليبرمان واعتمد عليها في مواقفه المعلنة على الأقل: "لا جدوى من محاولات التوصل إلى حل دائم مع الفلسطينيين، وينبغي التركيز على التوصل لحل مؤقت من أجل تجنب خيبة أمل أوروبا والولايات المتحدة ورد فعل عنيف من جانب الفلسطينيين". كما توصي الوثيقة بالحفاظ على الإدارة الأميركية كأكبر صديق وحليف لإسرائيل، إلا أنها ترى أن الاعتماد الكلي على الولايات المتحدة وحدها هو وضع غير صحي للجانبين ويتعين على إسرائيل العمل على بناء تحالفات مع دول أخرى على أساس المصالح المشتركة.
إن استمرار "الاستيطان" تحت مسميات مختلفة يعني أولا إلغاء إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، ومن ثم يُسقط تسوية "دولتين لشعبين". كما أنه، ثانياً، امتحان لـ"مصداقية" إسرائيل (المعروفة سابقاً وغير المتوقع تغيرها بوجود حكومة تحالف اليمين المتطرف) لاسيما أن السياسة الاستعمارية نقيض للسلام. وإلى ذلك فهو، ثالثاً، وهذا هو الأهم أميركياً، امتحان لمصداقية واشنطن وقدرتها (ورغبتها أيضاً) على جلب إسرائيل إلى الجلوس على طاولة المفاوضات بعد وقف "الاستيطان".
وفي هذا السياق، تُظهر الإدارة الأميركية (وبعض المحللين يقولون: "راهنا فحسب")، عجزاً عن مواجهة حكومة نتنياهو التي التف الإسرائيليون حولها، خاصة فيما يتعلق بـ"الاستيطان"، بعد أن غير (نتنياهو) تكتيكه في مواجهة الولايات المتحدة حين أصر على "الاستيطان" في القدس، وهو أمر ضمن وحدة الإسرائيليين وراءه. ثم إن الولايات المتحدة وإسرائيل تكادان تتفقان على المطلوب عربياً، وهو أمر ما زال العرب مصرين على رفضه تجاه مسألة التطبيع قبل أي "تنازل" إسرائيلي.
وختاماً، ربما تكون مقاربة أوباما بشأن "وقف الاستيطان أولا" قد سقطت تكتيكياً (وليس بالضرورة استراتيجياً) بعد أن تنازلت عن مطلبها وقف أو تجميد "الاستيطان" كشرط لاستئناف المفاوضات. وفي هذا المجال، أكدت لي مصادر عليا في الوفد الفلسطيني إلى نيويورك أن أوباما شدد أمام الرئيس الفلسطيني استمرار تمسكه بموقفه السابق القاضي برفض "الاستيطان" بكل الأشكال مع رفضه للذرائع الإسرائيلية المقدمة لاستمراره، رغم تأكيده - في الوقت ذاته- على أنه لم يقرن يوماً وقف "الاستيطان" باستئناف المفاوضات! وعليه، فقد بات أوباما يركز على ضرورة "لجم الاستيطان" في هذه المرحلة، على أن يتحقق وقفه في ضوء "المفاوضات الجدية" التي يسعى إليها عبر موفده الخاص ميتشل، على قاعدة أن تكون مرجعيتها واضحة: إقامة الدولة الفلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967، مع توافق على تبادل أراض بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، وعلى أن يكون السقف الزمني للمفاوضات محدداً بـ"مدة لا تتجاوز عامين". فهل ينجح أوباما بعد أن غير تكتيكه في مواجهة تغيير نتنياهو لتكتيكه؟