الصين...قصة الصعود
حين نشأت الصين الشعبية الحديثة في أول أكتوبر من عام 1949، كانت المؤسسات السياسية في بدايات مراحل تأسيسها، وكان غالبية الناس جياعاً بائسين، بينما لم يكن متوسط الأعمار يتجاوز 35 عاماً، وتصل نسبة الوفيات بين الأطفال إلى 20 في المئة. وفي العام نفسه كانت نسبة الأمية العامة تقدر بنحو 80 في المئة، في حين لا يوجد تعليم نظامي يذكر في البلاد، ولم تكن هناك منشآت للرعاية الصحية، ولا أي شكل من أشكال الضمان الاجتماعي. وكانت الخزانة العامة خاوية والبلاد مفلسة تماماً. فلم تكن هناك صناعة تذكر ولا بنية تحتية تدعمها. ذلك أن الصين قد مرت بقرن كامل من سوء الحكم والاضطراب السياسي والحروب الأهلية المستمرة، إضافة إلى الحروب التي فرضتها علينا الدول الأجنبية.
وخلال العقود الستة التي أعقبت تأسيس الصين الحديثة، صعد الاقتصاد الوطني ليحتل المرتبة الثالثة عالمياً، بينما قفز معدل بقاء الفرد الصيني على قيد الحياة ليصل إلى 73 عاماً، مقارنة بانخفاض معدل وفيات الأطفال إلى 1.5 في المئة، وانخفاض الأمية إلى نسبة 5 في المئة. وأصبح التعليم النظامي لأطفال الصين لمدة تسع سنوات متاحاً لهم جميعاً دون استثناء. كما تحسنت خدمات الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي كثيراً، ونهضت الصناعات الحديثة، في حين تغطي البلاد كلها شبكة عملاقة من الطرق والسكك الحديدية والمطارات والموانئ البحرية. وحدث تقدم كبير كذلك في مجال الديمقراطية وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان -بما فيها الحقوق الخاصة بـ55 أقلية مختلفة. ولا يشير تاريخ البشرية كله إلى حدوث تحسن بكل هذا القدر في حياة أمة بكل هذه الكثافة السكانية على نحو ما حققته الصين في هذه الفترة الزمنية القياسية في قصرها. فكيف حدث هذا؟
ربما كان الطريق الأقصر للإجابة عن هذا السؤال هو: إن العامل الحاسم في هذا هو قوة الإرادة الوطنية الباحثة عن طريق خاص لتقدم الصين. وبالفعل ظلت الصين تبحث عن هذا الطريق الخاص منذ قبل سقوط حكم عائلة "كينج"، الذي سبق نشأة الصين الحديثة بقرن كامل من الزمان. وقد سعينا للتعلم من تجارب الألمان والأميركيين وحتى تجربة الاتحاد السوفييتي، لكننا لم نر في كل تلك النماذج ما يحقق رغبتنا في التطور الذاتي. وربما حددت هذا المسار الظروف الخاصة بالصين. فهي كانت دولة من الفقر والعوز بمكان، كما كانت تعصف بها الاضطرابات السياسية والأمنية من كل جانب. وفوق تكدسها السكاني، كانت تعوزها الموارد اللازمة لتلبية حاجات شعبها. كما كانت من الضعف والوهن بما لا يسمح لها بالتصدي لأي تدخلات خارجية في شؤونها. وعليه فقد تطلبت تحديات النهضة الوطنية اجتراح نمط جديد للتنمية، ينسجم مع ثقافتها وتاريخها ومرحلة التطور التي بلغتها آنذاك.
وفي تاريخ الصين الطويل، كثيراً ما ارتبط الازدهار الاقتصادي بوجود الحكومات المركزية القوية المستنيرة. ولعل هذا ما دفع الصينيين عامة للاعتقاد بقوة شكيمة الحكم. واليوم توجد في بلادنا حكومة من هذا الطراز، ذات رؤية واضحة وسياسات مستنيرة. وفي حين تتمسك هذه الحكومة بأيديولوجيتها ومبادئها، فهي من البراجماتية والمرونة بمكان، متى ما دعت الضرورة. وبدلاً من أن تتبنى سياسات المدى القصير، اختارت بكين بلورة سياسات بعيدة المدى، أكثر شمولاً، قوامها نهج الاقتصاد الكلي والسياسات الجيو-بوليتيكية.
ويعود جزء من نهضة الصين وصعودها الإقليمي العالمي إلى وضعها للشعب في قلب مؤسسات الحكم ودوائر اتخاذ القرار. كما تؤمن بكين بأولوية استئصال الفقر ووضعها في رأس أولويات سياساتها التنموية. وبالنتيجة فقد تحقق انتشال 1.3 مليون مواطن من هوة الفقر المدقع إلى حياة لائقة تحسنت فيها ظروفهم المعيشية كثيراً.
وتؤمن الصين إيماناً راسخاً بأهمية تحقيق التجانس الاجتماعي من خلال التنوع، باعتباره طريقاً لتطورها المستقبلي. وفي سبيل ذلك تحرص بكين على تكريس ما هو مشترك عام بين شتى المصالح والخصائص المتباينة، نزعاً منها لفتيل التوتر الاجتماعي الذي عادةً ما يصحب عمليتي التنمية والإصلاح. كما تؤمن الصين بضرورة اقتسام ثمار إنجازاتها الاقتصادية بين الفقراء والأغنياء، وبين مجموعاتها الإثنية البالغة 56 مجموعة.
وبانفتاح الصين على العالم الخارجي، أدرك شعبها أكثر من أي وقت مضى، كم أن مصائرهم تتشابك مع مصائر بقية شعوب العالم. وهي تشاطر العالم قلقه إزاء جملة التحديات التي تواجهه اليوم، مثل مكافحة خطر التغير المناخي وحماية البيئة وضمان أمن الطاقة وتحقيق الاستقرار المالي العالمي ومكافحة الإرهاب، وحظر انتشار الأسلحة النووية والحد من انتشار الأوبئة الفتاكة.
وهناك من يتخوف من أن يؤدي استمرار الصعود الاقتصادي الصيني إلى تحولها إلى قوة دولية مهيمنة. ولكن نذكر هؤلاء بأن الصين عندما كانت في أوج نهضتها الاقتصادية قبل نحو 500 عام مضت، أي حين كانت تسيطر على حوالي 30 في المئة من الاقتصاد العالمي، لم تسع مطلقاً إلى توسيع نفوذها السياسي خارج حدودها، إنما اكتفت بإرسال بعثاتها الخارجية إلى دول الجوار، لا لشيء آخر سوى التبادل التجاري وتأكيد حسن النوايا معها. وسوف يبقى نهج "السلام والانسجام" الصيني بوصلة تنموية أساسية لها ومحدداً لعلاقاتها مع دول العالم الأخرى وشعوبها، بما يعزز خير هذه الشعوب ومصالحها، بقدر ما يحقق مصالح الشعب الصيني. وخلال الستين عاماً المقبلة، تطمئن الصين هذه الشعوب على أنها سوف تصبح قوة عظمى من أجل عالم أفضل لنا جميعاً.
سي. إتش تانج
---------
رئيس منظمة التبادل الصيني-الأميركي ومدير تنفيذي سابق لمنطقة هونج كونج الإدارية الخاصة
ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"