صحيفة "الاتحاد": المسيرة والموقع
"الاتحاد"، هذه الصحيفة التي ما فتئت توافي قراءها يومياً بالجديد والمفيد والمسلي من الأخبار والمعلومات والآراء والصور والمتابعات... هي ثمرة جهود ورؤى كبرى أرادت لها منذ أربعين عاماً أن تكون على ما هي عليه اليوم من أهمية في خريطة الصحافة العربية. ذلك المسار الصحفي الثري، وانطلاقته الأولى الصعبة، ومحطاته الرئيسية، وما أفضى إليه من نتائج فاقت توقعات الكثيرين... هي موضوعات الاهتمام الأساسي لكتاب "صحيفة (الاتحاد) وموقعها في الصحافة العربية"، الصادر في الآونة الأخيرة لمجموعة من الكتاب وخبراء الإعلام العرب، والذي نعرض هنا ملخصاً لبعض ما جاء فيه.
يتضمن الكتاب خمس دراسات، حول "حال الصحافة العربية عند إصدار (الاتحاد)"، و"نشأة صحيفة (الاتحاد) ومسيرتها"، و"الصحفية الشاملة: قراءة في مسيرة (الاتحاد)"، و"صحيفة (الاتحاد) والقضايا العربية"، وأخيراً "وجهات نظر: صفحات الرأي في الاتحاد نموذج لأثر العولمة في الصحافة".
وقبل ذلك نقرأ تقديمين على قدر كبير من الأهمية، أحدهما كتبه الدكتور عبدالمنعم سعيد وركز فيه على مسيرة التجربة الصحفية لـ"الاتحاد"، وكونها جسدت قصة موازية لمسيرة اتحادية تترسخ؛ فـ"الاتحاد" الصحيفة والاتحاد الدولة، يغذي كل منهما الآخر ضمن تجربة موحية في عالمنا العربي. أما التقديم الثاني فكتبه تركي السديري حول "تاريخ صحيفة في زمالة تاريخ دولة"، قائلا إن تلك "الزمالة" لم تجعل "الاتحاد" مرهونة بخط تقليدي يعبر عن رؤية واحدة، بل تمتعت على الدوام باستقلالية رأي ملحوظة.
ثم تتطرق دراسة كتبها مصطفى بيومي إلى جملة العوامل التي أثرت موضوعياً في خريطة الإصدارات الصحفية العربية عند إصدار "الاتحاد"، مثل أشكال ملكية الصحف، والحدود المتاحة لحرية الصحافة، وقدراتها التقنية في مجالي الطباعة والإخراج، وسوق الإعلان الصحفي، ثم العنصر البشري متمثلا في الكادر التحريري. كما يصف تعامل الصحافة العربية مع مرحلة ما بعد نكسة يونيو 1967، بما طبعها من تغيرات وتحولات كانت تفرض على الساحة الصحفية أيضاً إعادة ترتيب أوراقها، ومحاولة استيعاب التطورات اللاحقة.
ويستعرض أحمد جابر الأجواء التي أحاطت بنشأة صحيفة "الاتحاد"، لاسيما إعلان بريطانيا إنهاء وجودها العسكري في المنطقة، وبداية انتقال البلدان الخليجية إلى الاقتصاد النفطي، وأهم من ذلك قيام اتحاد الإمارات الذي أدرك مؤسسوه أهمية إعلام يعزز الهوية ويرسخ التلاحم الشعبي. وجاءت فكرة إصدار "الاتحاد" من دائرة الإعلام والسياحة بإمارة أبوظبي لتغطية الجهود الحثيثة التي كان الشيخ زايد ومعه باقي حكام الإمارات يبذلونها لتأسيس الاتحاد. كذلك كان قيام صحيفة "الاتحاد" بمثابة استكمال لمظاهر الدولة العصرية التي حرصت عليها قيادة البلاد. وقد تزامن صدور العدد الأول من صحيفة "الاتحاد"، يوم 20 أكتوبر 1969، مع انعقاد الاجتماع الخامس لحكام "إمارات الساحل المتصالح" لبحث قيام الاتحاد المنشود، وكانت الصحيفة في بدايتها أسبوعية، وكان يتم إعداد مادتها في أبوظبي ثم إرسالها للطباعة في بيروت، إلى أن بدأت طباعتها لأول مرة في أبوظبي عام 1970. ومع إعلان قيام دولة الاتحاد، صدرت الصحيفة لعدة أيام بشكل يومي، وتقرر تغيير حجمها من "التابلويد" إلى الحجم العادي (ستاندر)، ثم أصبحت يومية بشكل دائم بداية من 22 إبريل 1972. وواصلت "الاتحاد" مسيرة التطور والتوسع، فتحولت في عام 1977 إلى "مؤسسة (الاتحاد) للصحافة والنشر"، وقامت بإصدار مطبوعات أخرى مثل "زهرة الخليج" و"ماجد" و"إمارات نيوز". وفي مطلع الألفية الثالثة دخلت "الاتحاد" مرحلة جديدة مع قيام "مؤسسة الإمارات للإعلام" التي ضمت "الاتحاد" بإصداراتها المختلفة، إضافة إلى التلفزيون والإذاعة. وقبل انتهاء العقد الأول من الألفية الثالثة انتقلت "الاتحاد" لتواكب مرحلة التمكين حيث تم إنشاء "شركة أبوظبي للإعلام" التي أصبحت إحدى أكثر الشركات الإعلامية متعددة القطاعات نمواً في المنطقة. وخلافاً لبداياتها المتواضعة، يقول أحمد جابر، فإن "الاتحاد" اليوم في طليعة الصحف العربية التي تجدد العمل الصحفي وتتبنى أحدث التقنيات والأساليب. فقبل أن تتحول إلى خدمات الكيبل في أواسط الثمانينيات، كانت أول صحيفة خليجية تستقبل الصور عن طريق الراديو (1978)، كما كانت أول صحيفة عربية تطبع في مكانين (أبوظبي ودبي) بالتزامن واعتماداً على الميكروويف (1981)، كما أنها أول صحيفة إماراتية تصدر نسخة إلكترونية على الإنترنت (1996).
وفي الدراسة التي أعدَّها، أبرز "مركز الأهرام للنشر والترجمة والتوزيع" تنوع مواد وخدمات "الاتحاد"، فإلى جانب الأخبار والأنشطة المحلية التي كانت تغطيتها العامل الرئيسي وراء إصدار "الاتحاد" أصلا، اعتنت الصحيفة بمختلف المجالات التي تهم القارئ، والتي تنطوي على جوانب محلية وعربية ودولية في آن معاً، مثل الاقتصاد والسياسة والرياضة والثقافة والمنوعات، حيث استطاعت "الاتحاد" أن تحقق نهضة كبرى في تلك المجالات مع إصدار ملاحق متخصصة فيها. وتتبع الدراسة مسيرة المحليات في "الاتحاد"، ومسيرة القسم الاقتصادي فيها، ومسيرة "الاتحاد الرياضي"، ومسيرة ملحق المنوعات، ثم مسيرة القسم العربي والدولي فيها أيضاً.
وحول تناول "الاتحاد" للقضايا العربية، يوضح هاني نسيرة أن الهوية الاتحادية الإماراتية تلازمت مع الهم العربي العام بصيغة متوازنة ومتصالحة بين الوطني والقومي، وهو توازن ينطبق أيضاً على موقف صحيفة "الاتحاد" إزاء القضايا والموضوعات العربية، حيث عالجتها على الصفحة الأولى كأخبار رئيسية، وعلى الصفحات التي تخصصت في الشأن العربي بالأساس قبل تحولها إلى صفحات "عربي وعالمي"، إضافة إلى صفحات الرأي المتخصصة (وجهات نظر).
و"وجهات نظر" هي موضوع دراسة الدكتور أحمد جميل عزم، حيث يعرض للسياق الذي نشأت فيه، ويشرح فلسفتها وتصميمها، وينقل في هذا الخصوص عن رئيس تحرير "الاتحاد" الأستاذ راشد العريمي قوله إن الصحافة المطبوعة، وفي ظل وجود الفضائيات ووسائل نقل الأخبار المباشرة، لم تعد تتنافس على الخبر العاجل، بل "أصبحت المقالات والتحليلات والتقارير هي المساحة التي تنافس فيها الصحافة اليومية غيرها". وعموماً فإن "وجهات نظر" التي مثلت حالة تطور كبير أصابت صفحات "الاتحاد" الأخرى، تقف اليوم -بنوعية كتابها وقرائها- في مقدمة الصف الأول من الصحف العربية ذات البعد العابر للدول والحدود، كما تكشف عن تجربة فريدة في تأقلم الصحافة المكتوبة مع معطيات الإعلام الجديد ووسائله الحديثة.
محمد ولد المنى
الكتاب: صحيفة "الاتحاد" وموقعها في الصحافة العربية
المؤلفون: جماعة
الناشر: مركز الأهرام للنشر والترجمة والتوزيع
تاريخ النشر: 2009