في سياق حديثنا عن الفقيه ورجل الدين وأنه في التجربة السعودية ينتمي إلى طبقة مثقفي الدولة، وهو حديث امتد لأسابيع الآن، سوف نتناول اليوم حدثا حصل يوم الأحد الماضي. هذه قفزة كبيرة من الحديث عن الدولة السعودية الأولى والثانية، إلى الحديث عن لحظة حالية في الدولة الثالثة. لكنها قفزة فرضتها أهمية الحدث ودلالته بالنسبة لموضوعنا، وهي في الأخير قفزة داخل السياق ذاته. في اليومين الماضيين حصل لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السعودية مالم يكن مسبوقا من قبل. ضاقت الهيئة ذرعا بأحد قياداتها، وهو رئيس فرع منطقة مكة المكرمة، الدكتور أحمد الغامدي. يبدو كما لو أنها اكتشفت أن هناك من بين قياداتها من يعمل على تفكيك دورها، وإعادة صياغته من الداخل. اللافت أن محاولة الهيئة التخلص من الغامدي أُجهضت باعتراض من خارجها. ما الذي حصل بالضبط؟ كانت البداية مع قضية الاختلاط، التي فرضت نفسها العام الماضي بعد أن تم افتتاح جامعة الملك عبدالله للعلوم والتكنولوجيا (كاوست)، وهي أول جامعة في السعودية تأخذ بالتعليم المختلط. يبدو أن كثيرين أخذوا هذا الحدث على أنه ضوء أخضر بإسقاط التحريم الرسمي عن موضوع الاختلاط. اعترض حينها أحد أعضاء هيئة كبار العلماء في حديث تلفزيوني على مبدأ الاختلاط في "كاوست"، فتم إعفاؤه من منصبه بعد أيام. فتأكدت فرضية الضوء الأخضر. من هنا بدأت أصوات عدة، وتحديداً من داخل الخطاب الديني تتبرأ من تحريم الاختلاط، بل وتعتبر أن المفهوم من أساسه دخيل على القاموس الفقهي للشريعة. من أبرز هذه الأصوات كان الدكتور أحمد الغامدي الذي قال في حديث مطول لصحيفة "عكاظ" السعودية في ديسمبر الماضي إن "الاختلاط طبيعي في حياة الأمة، ومانعوه لم يتأملوا في أدلة جوازه". ومثل غيره أكد الغامدي على أن الاختلاط بمعناه المعاصر لم يكن معروفا عند المتقدمين من أهل العلم (الشرعي)، وبالتالي فهو ليس من المصطلحات الفقهية المعروفة. ما قاله الغامدي، وهو رئيس لفرع رئيسي من فروع الهيئة، يتناقض تماماً مع ما نشأت وشبت عليه هذه الهيئة. لكنه ذهب أبعد من ذلك في حديث آخر للصحيفة نفسها قبل أيام، عندما قال بأنه "لا يجوز الإنكار على من ينادي بعدم إغلاق المحلات التجارية وقت الصلاة"، مؤكداً أن هذه المسألة كانت ولا تزال محل خلاف بين العلماء. وأضاف أن "إقامة الناس لصلاة الجماعة مسألة اجتهادية اختلف العلماء في حكمها." وهذا في الوقت الذي تعتبر فيه الهيئة أن مراقبة التزام الأفراد والمؤسسات بمواقيت الصلاة، وأداء صلاة الجماعة من مهامها الرئيسة. مواقف الغامدي ليست جديدة بحد ذاتها، ولعلها جاءت متأخرة، لكنها تبقى مواقف جريئة بشكل لافت، وهي تأتي من داخل جهاز الهيئة الذي يهيمن عليه فكر ديني محافظ. من ناحية ثانية، تأتي هذه المواقف في إطار أوسع، وهو السماح بجعل جهاز الهيئة، وأدائه تحت الضوء النقدي الإعلامي محلياً، وهو توجه يوحي بأنه يريد أن يدفع بالهيئة نحو الأخذ بمهمة إصلاحها بيدها، ومن الداخل. الأرجح أنه لم يكن من الممكن لعضو في الهيئة أن يعلن مثل تلك المواقف على الملأ إلا في إطار هذا التوجه الإصلاحي. يقول الغامدي إنه يواجه بسبب هذه المواقف حملة شرسة من بعض منسوبي الهيئة. ويبدو أن هذه الحملة وصلت ذروتها يوم الأحد الماضي، عندما انتشر خبر إقالته من منصبه. وقد تبين أن الهيئة أرسلت بالفعل خبراً مفصلا بالأسماء إلى وكالة الأنباء السعودية عن تعديلات إدارية من بينها إقالة الغامدي، وتعيين بديل له. لكن الهيئة تراجعت عن ذلك، وطلبت سحب الخبر وعدم نشره. وتؤكد صحيفة "الحياة" أنها تلقت هذا الطلب نصياً عبر رسالة هاتفية من المتحدث باسم الهيئة. هنا تتضح تماماً غرابة وسابقة ما حصل بالفعل. حيث تؤكد هذه الملابسات أن قرار إقالة الغامدي قد اتخذ بالفعل، وأن جعله جزءاً من تعديلات إدارية أوسع لم يكن على الأرجح إلا للتغطية. مما يوحي بأن صراعاً حاداً يعتمل داخل الهيئة. كانت النية إعلان القرار لتثبيته. لكن شيئاً ما، أو شخصية ما تدخلت في اللحظة الأخيرة وفرضت الامتناع عن إعلان خبر هذه التعديلات، وسحبه من التداول. بل إن مصادر موقع "إيلاف" تؤكد إلغاء قرار إقالة الغامدي، والموافقة على التعديلات الأخرى. ماذا يعني هذا بالنسبة لمستقبل بقاء الغامدي في موقعه؟ ليس واضحا. في كل الأحوال باتت الخيارات واضحة: ليس فقط أن بقاء الغامدي يعني بقاء الخط الإصلاحي والوسطي داخل الهيئة، وإقالته تعني سقوط هذا الخط. بل إن بقاء الغامدي من عدمه قد تكون له دلالات أكبر من ذلك خارج الهيئة. بل يبدو أن قضية الغامدي وضعت رئيس الهيئة الجديد، الشيخ عبدالعزيز الحمين، أمام امتحان ربما لم يتوقع أن يواجهه بهذه السرعة. هل سيقدم استقالته في حال فرض عليه بقاء الغامدي في موقعه؟ أم أن الأمر يختلف عما يبدو عليه في الظاهر؟ هل ستأخذ القضية منحى يوفر حلا وسطا يرضي الجميع؟ يبقى سؤال مهم: من يمثل الغامدي حقاً؟ هل يمثل نفسه؟ أم يمثل تياراً ما داخل الهيئة؟ لعل التوجه الإصلاحي، واتساع هامش حرية الرأي، والظروف التي أحاطت بافتتاح جامعة "كاوست"، هي التي شجعت الغامدي على الإعلان عن مواقفه الجريئة. وربما هناك من يتفق مع الغامدي في مواقفه من داخل الهيئة أيضاً، ما زاد في تشجيعه. ومهما يكن، فالرهانات في هذه اللحظة تبدو كبيرة عند مختلف الأطراف. ومما يؤيد ذلك أن المفتي العام للمملكة، الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ، دخل على خط القضية عندما وجه نقداً حاداً في خطبة الجمعة الماضية لمن قال إنهم ينادون بترك صلاة الجماعة في المساجد، ووصفهم بأنهم "دعاة ضلال وغش للإسلام". ومع أن الشيخ لم يسمه بالاسم، فإنه كان يعني الدكتور الغامدي. وفي هذه الحالة يجد الغامدي نفسه في مواجهة كبار المؤسسة الدينية. قد يستثنى من ذلك وزير العدل، الشيخ محمد العيسى، الذي يبدو من تصريحاته أنه يميل في مواقفه إلى الغامدي. ومن ثم فبقاء الغامدي في منصبه يحتاج إلى دعم كبير، من خارج المؤسسة الدينية. تشير قضية الغامدي، وهي في الحقيقة قضية الهيئة، إلى أمر له من الحساسية الشيء الكثير، وهو إمكانية، وربما حتمية الصدام بين منطق الدولة، ومنطق الدين في لحظة ما، وذلك عندما يجتمعان في مؤسسة واحدة. وما يحصل للهيئة، ويحصل منها حالياً، بما في ذلك إخضاعها للمجهر الإعلامي، هو المظهر المباشر لهذا الصدام. والسبب في ذلك ليس لأن الدولة بدأت تتساهل في أمر الدين، أو أن بعض متطلباته لم تعد يعنيها كثيرا، كما قد يتصور البعض. يكمن السبب في أن المؤسسة الدينية، وبشكل خاص هيئة الأمر بالمعروف، لم تستطع مواكبة الدولة في تطورها، وفي سياساتها. مأزق هذه المؤسسة أنها تريد أن تكون وفية لتراثها بكل تفاصيله، بغض النظر عن كل التحولات الحاصلة ليس فقط للدولة والمجتمع، بل ولها ذاتها. مما يشير إلى حالة تصلب، ومقاومة للتغيير غير مبررة. تعودت الهيئة أن تقتطع لنفسها داخل المجتمع مساحة واسعة من حرية العمل، والإكراه، والتعدي، كثيرا ما تتناقض مع النظام، وتحديداً النظام الأساسي للحكم، ومع حقوق الناس المدنية والإنسانية. لهذا السبب كان من المحتم أن تجد الهيئة نفسها موضوعاً للمتابعة من أكثر من جهة، وبشكل خاص للمجهر النقدي للإعلام المحلي لسنوات الآن. لم يكن من الممكن تفادي أن يأتي إلى الهيئة ويعمل ضمن تراتبيتها القيادية من يؤمن بدورها، لكن من زاوية مختلفة عما توارثته طوال العقود الماضية. لو فكرت قيادة الهيئة قليلا لاكتشفت أن صدامها مع الغامدي هو في الواقع صدام مع نفسها قبل أن يكون صداما مع المجتمع ومع الدولة. ماذا بقي من دور رجل الدين كمثقف لهذه الدولة؟