انتهينا في الأسبوع الماضي إلى أن الحركة الوهابية هي أول من دشن العصر الحديث في تاريخ الجزيرة العربية، وخاصة في وسط الجزيرة. لابد هنا من استئناف الحديث لتوضيح هذه الأطروحة غير المسبوقة. نبدأ بملاحظتين كلاهما ذات صلة. الملاحظة الأولى أن الوهابية حركة دينية محافظة دينيا وسياسيا. والملاحظة الثانية أن إحدى سمات الحداثة المتفق عليها هي التخفف من سيطرة الفكر الديني على حياة الناس في المجتمع، وعلى التعليم، والسياسة.. إلخ. كيف يستقيم، في ضوء ذلك، أن نعتبر ظهور الوهابية في القرن 12هـ/18م بمثابة تدشين للعصر الحديث في الجزيرة العربية آنذاك؟ هذا سؤال مهم ومشروع. والإجابة عليه ليست بالبساطة التي قد تبدو من السؤال. نحن بحاجة في مثل هذه القضية إلى أن نتذكر شيئين: الأول ملاحظة أن التخفف من سيطرة الفكر الديني، على أهميته، ليس إلا مؤشراً واحداً من مؤشرات عدة على الحداثة. الشيء الثاني، أن الحداثة لا تعني دائماً التنوير، وبالتالي لا تبدأ دائماً بفكر تنويري. والأهم من كل ذلك أننا بإزاء قضية مثل هذه، في حاجة إلى المنهج التاريخي أكثر من غيره. فعندما نتعامل مع الوهابية أول ما ظهرت في أواخر النصف الأول من القرن 18، لابد بالضرورة من التعامل معها في إطار تلك المرحلة الزمنية، وما اكتنفها من ظروف اجتماعية وسياسية. وبالتالي لابد أن نضع هذه الحركة في سياقها، وليس أي سياق آخر. يجب أن نأخذ مواقفها، وما طرحته وطالبت به في ضوء ظروف ومعطيات تلك المرحلة. لا يجوز أن نتعامل مع بدايات الوهابية، وإسهاماتها الأولى، وأن نحكم عليها وفقا لمعطيات ومتطلبات مرحلتنا الحالية. بدلا من ذلك يجب أن نبني فوق تلك الإسهامات، وأن نتجاوزها في الوقت نفسه. عندما نأخذ هذه الملاحظات في الاعتبار، سنجد أن الإشكالية تختلف إلى حد كبير، ومعها تختلف صيغة السؤال. مما يعني أن الوهابية في الإطار التاريخي للمرحلة الحالية هي إشكالية مختلفة عما كانت عليه إبان ظهورها في وسط الجزيرة. إلى جانب ذلك، لعله من المسلم به أن كون التخفف من سيطرة الفكر الديني علامة على بروز صفة الحداثة في مرحلتنا المعاصرة، لا يعني أن الدين أو الفكرة الدينية لم يكن لها دور في بزوغ الحضارة الحديثة. فمن حيث أن الدين جزء لا يتجزأ من التراث الإنساني، فإنه، وخاصة في صيغته التوحيدية، مثل اليهودية والمسيحية والإسلام، يمثل مرحلة متقدمة في تطور الفكر الإنساني، وفي تطور المجتمعات البشرية. الإسلام نقل العرب من مرحلة القبيلة إلى مرحلة الدولة. ولعلنا نتذكر في هذا الصدد أن بذور العصر الحديث نفسه بدأت مع ما يعرف في التاريخ الأوروبي بـ"حركة التصحيح" (Reformation) في القرن 16م، وهي في أصلها حركة دينية. وهو ما حدا بماكس فيبر بأن يخضع ما بدا له أنه نوع من المفارقة، في أن الرأسمالية وروحها العقلانية، في جانبيها المادي والعلمي، وبنظامها العلماني، بدأت شرارتها الأولى داخل الأخلاقيات والقيم الدينية التي تضمنتها تعاليم المذهب البروتستانتي في مقابل الكاثوليكية. وبالنسبة لتعدد مؤشرات الحداثة وتداخلها، فقد كان الفيلسوف البريطاني، برتراند راسل، من بين أفضل من أرخ لها نظريا، وذلك في كتابه الشهير "تاريخ الفلسفة الغربية". يقول راسل إن "المرحلة التاريخية التي توصف على نطاق واسع بـ(الحديثة) تتميز برؤية ذهنية تختلف عن تلك التي كانت لمرحلة العصور الوسطى من طرق عديدة. من بين هذه الطرق، تبرز اثنتان باعتبارهما الأكثر أهمية من غيرهما: تناقص سلطة الكنيسة، وازدياد سلطة العلم". ثم يضيف إلى ذلك وجود اختلافات أخرى مرتبطة بهذين الاختلافين، من بينها أن "الدولة تبدأ في العصر الحديث تأخذ بشكل متواصل مكان الكنيسة، وتصبح هي السلطة الحكومية التي تنتج الثقافة". ينبغي ملاحظة أن راسل يتحدث هنا عن عملية الانتقال كما حدثت في أوروبا الغربية، حيث كانت الكنيسة في العصور الوسطى مصدر السلطة الحكومية، والمهيمن على عملية إنتاج الثقافة، سواء من خلال الشعائر والطقوس، أو من خلال التعليم الديني. وفي معرض حديثه عن عملية الانتقال هذه يسجل راسل ملاحظة مهمة، وهي أن "سلطة الدولة الوطنية، والوظائف التي تمارسها تنمو بشكل متواصل خلال المرحلة، لكن في أغلب الأحيان يقل تأثير الدولة على آراء الفلاسفة عن التأثير الذي كان للكنيسة في العصور الوسطى (ص491). ويشير راسل بذلك إلى تنامي الدولة، دورا ومؤسسة وتأثيرا، على حساب الكنيسة كمؤشر على بداية العصر الحديث، وبالتالي تنامي منطق الدولة مقابل منطق الفكر الديني. من هذه الزاوية دون غيرها تأتي إضافة الوهابية، ذلك أنها، كما أشرنا من قبل، كانت صاحبة المبادرة بطرح فكرة الدولة المركزية لأول مرة في تاريخ وسط الجزيرة العربية. وكان من الطبيعي أن سلطة هذه الدولة هي التي سوف تنمو، وسوف يجد الفكر الديني نفسه ملتحقاً بالمنطق الذي تصدر عنه، وهو ما نراه الآن في المؤسسة الدينية، على كبر حجمها، واحدة من مؤسسات هذه الدولة. ربما قيل إن فكرة الدولة التي أسست لها الوهابية ترتكز على منطلقات دينية. وهذا ليس دقيقاً. فمبدأ الدولة، أو السلطة السياسية هو واجب ديني في الإسلام، وما عدا ذلك فإنه يقع ضمن المبدأ الذي قرره الحديث المشهور "أنتم أدرى بشؤون دنياكم". والنصوص التي تعتمد عليها الوهابية في تأكيد ضرورة الحكم، وطاعة ولي الأمر، لا تتجاوز أبداً حدود التأكيد على وجوب إقامة الحكم والسلطة السياسية، وضرورة طاعة ولي الأمر ضمن حدود متطلبات الشريعة. بل إن هذه النصوص تترك الأمر المتعلق بشكل الحكم، وكيفية اختيار الحاكم، وحدود سلطاته مفتوحة تماما، من دون أن تضع لأي من ذلك شروطاً أو متطلبات يتعين دينيا الالتزام بها. الشرط الوحيد الذي على المسلم الالتزام به أنه "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"، كما جاء في الحديث. هذه المرونة السياسية سمحت بنزع الصفة الدينية عن الدولة، مع بقائها بالطبع دولة إسلامية. وبالتالي صار هناك مجال سياسي خاص برجل السياسة، ومجال ديني خاص برجل الدين أو الفقيه. ويربط بين المجالين عقد، أو ما يشبه العقد قوامه التزام ولي الأمر بالشريعة كقانون للدولة. وكان هذا النموذج أوضح ما يكون في المذهب الحنبلي، وهو النموذج الذي وجد تطبيقه في الدولة السعودية. في هذا الإطار تبدو إضافة الوهابية إلى تاريخ الجزيرة العربية. حيث ظهرت الحركة في منطقة كانت اجتماعيا وسياسيا منقسمة بين بادية تأخذ بالنمط البدوي في حياتها، وكانوا يمثلون أغلبية السكان، وبين حواضر مستقلة عن بعضها تأخذ بنظام الإمارة العائلي. تتجلى إضافة الحركة في هذا الإطار في أمرين: الأول أنها وضعت البذور الأولى لاستكمال نقل المجتمع من مرحلة القبيلة إلى مرحلة الدولة. وأحد تجليات موقفها المناوئ للقبيلة وما تمثله يعكسه قول الشيخ محمد بن عبدالوهاب "وما أشاعوا... أني أفتيت بكفر البوادي الذين ينكرون البعث والجنة والنار، وينكرون ميراث النساء، مع علمهم أن كتاب الله عند الحضر... فلما أفتيت بكفرهم، مع أنهم أكثر الناس في أرضنا، استنكر العوام ذلك، وخاصتهم الأعداء ممن يدعي العلم...". هنا يتسق الشيخ مع مبدأ الهجرة الإسلامي الذي يعتبر الاستقرار وتبني الحياة الحضرية شرطاً لاكتمال إسلام الفرد. وذلك لأن البداوة تعني الابتعاد عن سلطة الدولة والقانون. فالتكفير هنا له بعد سياسي مضمر، في بعده الديني. الإضافة الثانية، أن الوهابية، باعتبارها حركة سلفية، حاربت مختلف أشكال الخرافة والشعوذة في الثقافة الشعبية، واعتبرتها شكلا من أشكال الشرك المحرمة. ركزت بدلا من ذلك على مفهوم "التوحيد" بمعناه التجريدي. وهذا يعيدنا إلى "توحيد الألوهية" الذي لا زال ينتظر حديثا آخر.