صوت مجلس الشيوخ الأميركي هذا الأسبوع على تعديلات مشروع قانون الإصلاح المالي، وهو تصويت سيحدد ما إذا كانت بنوك "وول ستريت" سوف تخدم الاقتصاد الأميركي، أم أن الاقتصاد الأميركي هو الذي سيستمر في خدمة بنوك "وول ستريت". وسينظر أعضاء مجلس الشيوخ أيضاً في التقرير الأخير لـ"لجنة الكونجرس المكلفة بالإشراف على برنامج إغاثة الأصول المتعثرة"، التي ترأسها "اليزابيث وارين"، والتي نشرت مؤخراً دراسة عن الكيفية التي استغلت بها البنوك الأميركية ذلك البرنامج الذي يطلق عليه اختصاراً TARP في تقديم القروض للمشروعات التجارية الصغيرة. من المعروف أن الإقراض من قبل البنوك الكبرى -تلك التي تمتلك أصولاً تزيد قيمتها عن 100 مليار دولار، والتي تلقت 81 في المئة من أموال حزمة الإنقاذ الحكومي- قد تقلصت، في حين أن القروض المقدمة للمشروعات التجارية الصغيرة من البنوك متوسطة الحجم -تلك التي تمتلك أصولها تتراوح قيمتها بين 10 مليارات و100 مليار دولار- والتي تلقت ما نسبته 11.4 من حزمة الإنقاذ الحكومي، قد ازدادت. معنى ذلك أن الأموال التي تذهب لـ"وول ستريت" تظل باقية في "وول ستريت"، وهذا سبب واحد ضمن الأسباب التي تدفع للقول إن العلاقة بين وول ستريت وبيننا جميعاً هي علاقة تحتاج إلى المراجعة. بعض التعديلات موضوع البحث، سوف تمنح المستهلكين قدرة أكبر وأكثر عدلاً بالتالي في التعامل مع البنوك، خاصة التعديل المقترح من قبل الديمقراطي "وايت هاوس" الذي سيمكن الولايات المختلفة من وضع حدٍ أعلى لمعدلات الفائدة على البطاقات الائتمانية الخاصة بالمقيمين فيها. وهناك عدد كبير من التعديلات تسعى إلى منع "البنوك المؤمن عليها فيدرالياً" من إجراء كافة أنواع الصفقات والترتيبات المشبوهة، التي اضطر دافعو الضرائب إلى تغطية الخسائر الناشئة عنها أثناء حالة شبه التداعي التي تعرضت لها البنوك في عام 2008. وفي هذا السياق، اقترح عضوا المجلس، الديمقراطيان "جيف ميركلي" و"كارل ليفن" إدراج مادة في القانون المقترح تمنع رسمياً البنوك المدعومة فيدرالياً من المتاجرة في الأوراق المالية الخاصة بالآخرين أو الخاصة بها (ما يعرف بقاعدة فولكر). كما اقترحت العضوة الديمقرطية "ماريا كانتويل" والعضو الجمهوري جون ماكين، إعادة العمل بالقانون القديم المعروف باسم "جلاس - ستيجال" الذي اعتمد في عهد روزفلت خلال ثلاثينيات القرن الماضي، والذي يفصل بين البنوك التجارية والبنوك الاستثمارية. أما البند المقترح من قبل الديمقراطية "بلانشي لينكولن" بمنع "البنوك المؤمن عليها فيدرالياً" من المتاجرة في المشتقات المالية، فتم إدماجه في مشروع قانون أشمل، لكن رئيس اللجنة المصرفية "كريس دود" اقترح إحالة الموضوع إلى لجنة أخرى، مما يعني قتله فعلياً. بمعنى أن إجراءات مثل تلك التي اقترحها لينكولن، تؤشر على عودة الحزب الديمقراطي إلى جذوره الجيفرسونية والجاكسونية. فقادة الحزب في القرن التاسع عشر عارضوا تركيز السلطة والثروة في أيدي الرأسماليين الذين كانوا هم أيضاً أصحاب البنوك الكبيرة في زمنهم. لكن ذلك الهجوم كان إِقليمياً في الجانب الأكبر منه، وقام به ممثلو المزارعين الأميركيين الذين كانوا يشعرون بنفور طبيعي تجاه تلك البنوك، التي استغلتهم وتجاه المدن الكبرى التي كانت البنوك توجد فيها. لكن الكساد الكبير الذي ضرب أميركا في ثلاثينيات القرن الماضي وحد بين البلدات الزراعية والمدن الكبرى في ائتلاف كبير مضاد للبنوك. ومع قدوم عصر "الصفقة الجديدة" New Deal لروزفلت، فقدت قضية الإصلاح المالي طابعها الإقليمي واتخذت طابعاً قومياً. والمؤلف الأصلي لتشريع "الصفقة الجديدة" الذي قامت عليه "لجنة الأوراق المالية والتبادلات"، هو الديمقراطي "سام رايبيرن" الذي كان يحتفظ على مكتبه بصورتين: واحدة لـ"روبرت ئي. لي" (القائد العسكري لجيش التحالف الجنوبي ضد الشماليين في الحرب الأهلية) والأخرى لروزفلت. وعلى مدى نصف القرن الماضي، فقد الديمقراطيون ميلهم الموروث لـ"روبرت ئي. لي"، والإشكالية هنا هي، أنهم أصبحوا أكثر ميلاً لضم الكثير من المصرفيين الكبار الذين اتحد الشعبويون الزراعيون وساكنو المدن الليبراليون قديماً ضد سلطاتهم المتنامية ونفوذهم المتمادي. وعلى ما يبدو، فالفكرة الخاصة بأن قطاع البنوك قد نما أكثر مما يجب، وأصبح أقوى مما يجب وبصورة أصبحت تضر بالمصالح العليا للوطن، لم تدخل بعد عقول بعض الشخصيات البارزة في الإدارة مثل" توم جيثنر" أو بعض الديمقراطيين من تيار يمين الوسط مثل إيفان باي أو مارك وارنر اللذان يسعيان إلى إضعاف التعديلات التي تكبح جماح الممارسات البنكية الأكثر خطورة. وفي رأيي، فإ فك الارتباط بين مصالح وول ستريت وبين المصالح العليا للوطن وإصلاح البنوك، ليس قضية جيفرسونية أو حتى روزفلتية، بل أشك في أن رجلاً مثل "اليكسندر هاميلتون"، الذي تصدى للدفاع عن البنوك من أجل توفير الاستثمارات اللازمة لنمو وازدهار الصناعة الأميركية، كان سيساند قطاعاً مالياً ساعد على ازدهار الصناعة خارج الولايات المتحدة وليس الصناعة الأميركية. ولو نظرنا إلى المبادئ الأساسية لكل عقيدة أميركية، مهما كانت، باستثناء عقيدة الطمع والجشع، فإن الخلاصة التي سنتوصل إليها هي أن الوقت قد حان لكبح جماح البنوك. هارولد مايرسون كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست"