من مأزق الديمقراطية الأميركية... إلى صيف العواصف الساركوزية! الدور الأميركي في الصومال، امتحان الديمقراطية الأميركية في مجلس الشيوخ، وفوز جنوب أفريقيا المعنوي بجائزة المونديال الكبرى، ثم صيف عواصف ساركوزي.. قضايا ضمن أخرى استقطبت اهتمام الصحافة البريطانية. الصومال: مهمة أميركية نشرت صحيفة "الجارديان" مقالاً للكاتب فرانكي مارتن دعا فيه إلى ضرورة تصدي الولايات المتحدة لمهامها الأمنية القيادية في الصومال. ذلك ما أكدته، على حد قوله، هجمات حركة "الشباب الإسلامي" الأخيرة على أوغندا. وكانت الحركة قد شنت هجمات عنيفة على ملعب للريجبي يرتاده المشاهدون واللاعبون الأجانب إضافة إلى مطعم إثيوبي في أوغندا أثناء مباريات كأس العالم التي جرت فعالياتها في جنوب أفريقيا. وقد وقعت تلك الهجمات يوم الأحد الماضي، وخلفت وراءها 74 قتيلاً، لتتحول تلك المناسبة الاحتفالية الكروية إلى مأساة جماعية. وجاء استهداف مقاتلي حركة "الشباب الإسلامي" لأوغندا بالذات لكونها شريكاً رئيسيّاً في قوة حفظ السلام الأفريقية المنتشرة في الصومال منذ بضع سنوات بدعم من الدول الغربية. وتظهر هذه الهجمات، على حد رأي الكاتب، أن الحركة -التي تمثل الذراع العسكري لتنظيم المحاكم الإسلامية الذي تم دحره وإسقاط حكومته بدعم غربي في عام 2006- لا تزال خطيرة وقادرة على شن هجمات قاتلة ليس داخل الصومال وحده، وإنما خارج حدوده أيضاً. وكان قد ساد تفاؤل عام بانسحاب القوات الإثيوبية التي تساندها الولايات المتحدة من الصومال في العام الماضي. وارتبط ذلك التفاؤل بوصول إدارة جديدة إلى البيت الأبيض وعدت منذ وقت مبكر بتحسين علاقات أميركا بالعالم الإسلامي، فضلاً عن انتماء رئيسها إلى أصول شرق أفريقية. أما في الصومال نفسها فهناك رئيس ذو خلفيات دينية صوفية علمانية، ويتمتع بدعم شعبي معقول. وكانت أمام واشنطن فرصة كبيرة لبذل جهد دبلوماسي يهدف إلى دفع كافة الفصائل الصومالية المتناحرة إلى طاولة المفاوضات والتسوية السلمية لنزاعاتها الداخلية، وبدلاً من ذلك كررت إدارة بوش ذات الأخطاء التي ارتكبتها الإدارات السابقة عليها. ومع ذلك فقد أثبتت الهجمات الأخيرة على أوغندا ضرورة عودة واشنطن إلى تحمل مسؤولياتها الأمنية والقيادية إزاء الصومال، بما فيها، بالطبع، التصدي لقيادة حملة دبلوماسية لحل النزاع. مأزق الديمقراطية الأميركية هذا الموضوع تناولته إحدى المقالات التحليلية المنشورة في العدد الأخير من مجلة "ذي إيكونومست". جاء في أحدها أن الكثير من المحللين والمراقبين لسير التشريعات الأميركية قد لاحظوا أن مجلس الشيوخ الأميركي بات يمثل عقبة لا تخفى أمام تمرير التشريعات ذات الصلة بسياسات إدارة أوباما الداخلية. ولعل من أوضح الأمثلة على عرقلة المجلس لتلك السياسات المدة الزمنية الطويلة والجهد المتواصل الذي تطلبه تمرير قانون إصلاح نظام الرعاية الصحية. ولكن هناك من المحللين من لاحظ أن سيادة النزعة الحزبية على المجلس يمكنها أن تمثل عقبة كبيرة أمام سياسات الإدارة الخارجية بالقدر نفسه. وهنا تبرز عرقلة المجلس لإجازة معاهدة "ستارت" الجديدة المتعلقة بالتحكم في الأسلحة الاستراتيجية. وتهدف هذه المعاهدة الجديدة إلى إحداث خفض كبير في عدد الرؤوس النووية ونظم إطلاقها وتشغيلها في أقرب وقت ممكن عقب إجازتها. وفيما لو عجز أوباما عن إقناع الكونجرس بضرورة إجازة هذه المعاهدة، فإن من شأن ذلك العجز أن يبعث برسالة واضحة إلى بقية قادة دول العالم مفادها أنه يواجه محنة داخلية كبيرة مع أجهزته التشريعية. وفيما لو قبرت هذه المعاهدة -بعد أن قبرت واشنطن قبلها معاهدتي "كيوتو" للتغير المناخي وحظر الاختبارات النووية، فلن يكون في وسع أحد التفاؤل بكسر عزيمة المؤسسة التشريعية الأميركية المناهضة لمثل هذه التشريعات في المستقبل القريب. ولكي يضمن أوباما إجازة معاهدة "ستارت" الجديدة فإن عليه الحصول على موافقة ثمانية من أعضاء مجلس الشيوخ "الجمهوريين". وهنا تكمن معضلته بالذات. جنوب أفريقيا.. الفائز الأول هذا ما أكدته افتتاحية العدد الأخير من صحيفة "ذي أوبزيرفر". وشبهت الافتتاحية عقد المونديال هذا العام بتلك اللحظات الاستثنائية الخاصة في تاريخ جنوب أفريقيا الحديث: إطلاق سراح مانديلا، والإعلان عن انهيار نظام الفصل العنصري، ثم فوز جنوب أفريقيا بكأس الريجبي عام 1995، وغيرها من الأحداث الكبيرة التي فتحت نافذة كبيرة للأمل في جنوب أفريقيا. وبالمثل كان عقد مونديال هذا العام هناك مناسبة رافعة لروح شعب بلاد قوس قزح تماماً مثلما كانت روحه المعنوية عالية جداً في بدايات عقد التسعينيات. ولعل أفضل مثال على فوز جنوب أفريقيا المعنوي بتنظيم المونديال هو ما يمكن وصفه باستثمار ذلك البلد في هويته وعزته الوطنية. وتقف البنية التحتية الباهرة التي أنجزتها جنوب أفريقيا في إطار استعداداتها لاستضافة المونديال، خير شاهد على هذا الاستثمار المستدام طويل المدى، على عكس كل التوقعات السابقة المتشائمة بقدرة جنوب أفريقيا على استضافة المونديال. صيف ساركوزي العاصف لقد وصل ساركوزي إلى سدة الحكم باعتباره طرازاً جديداً وفريداً من القادة السياسيين في بلاده. غير أنه أحيط الآن بحزمة من المشاكل التي عصف مثلها بغيره من الساسة القدامى. هكذا استهلت صحيفة "ذي إندبندنت" مقالها الافتتاحي. وإذا ما تجاوزنا البعد الشخصي من العواصف المحيطة بساركوزي الآن، فسنلاحظ أن الاقتصاد الفرنسي لا يزال متعثراً ولا يزال على حكومة ساركوزي إجراء الإصلاحات الموعودة وتنفيذ خفض الإنفاق الحكومي على نحو ما فعلت حكومتا بريطانيا وألمانيا. ولكن لا تزال أمامه فرصة أخيرة لاغتنامها واستثمارها في تحسين صورة أداء حكومته قبل حلول موعد انتخابات عام 2012. إعداد: عبدالجبار عبدالله