اعتاد أنور السادات، القول إن العقبة الأكبر أمام الصراع العربي/ الإسرائيلي هي الحاجز النفسي، ولتخطي هذا الحاجز أبدى السادات استعداده للقيام بخطوات درامية أثارت الكثير من الجدل، وفي هذا الإطار يمكن الإشارة إلى حاجزين نفسيين سعى السادات إلى تجاوزهما، أولهما أسطورة إسرائيل التي لا تقهر حيث عمل في سرية تامة وبتعاون مع حافظ الأسد، على شن حملة عسكرية ضد القوات الإسرائيلية المحتلة لسيناء ومرتفعات الجولان، ولولا الدعم العسكري الأميركي المكثف لإسرائيل التي بدا عليها الذهول والدهشة من هول مفاجأة الهجوم المصري السوري المنسق الذي أفقدها توازنها، لكانت تعرضت إلى هزيمة ساحقة ماحقة. والحقيقة أن الهدف العسكري الذي رسمه السادات كان متواضعاً منذ البداية إذ اقتصر على دفع الجيش الإسرائيلي بعيداً إلى الشرق بما يسمح له بإعادة فتح قناة السويس وإعلان النصر ثم البدء في مفاوضات من موقف أفضل، ولكن على رغم تواضع المنجز العسكري الذي حققه السادات في الحرب على إسرائيل، إلا أنه استطاع بقرار الحرب الشجاع كسر الحاجز النفسي والإطاحة بأسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر وإعادة الشرف إلى الجيش المصري الذي تعرض في عام 1967 لهزيمة قاسية في ظرف أيام على يد سلاح الطيران الإسرائيلي. أما الحاجز النفسي الثاني الذي سعى السادات إلى قلبه فكان لدى العرب أنفسهم الذين ظلوا متمسكين بموقفهم الرافض لأي اعتراف بإسرائيل أو الدخول في مفاوضات معها، وهو ما أضفى على النظرة العربية نوعاً من العداوة الأبدية تجاه الدولة اليهودية، وجعل العرب أحياناً في زاوية ضيقة واستراتيجية سلبية تعتمد على الإنكار ورفض الاعتراف بما يعتبره الغرب واقعاً قائماً. والنتيجة نشوء حاجز نفسي كبير منع العرب من إجراء تقييم واقعي للصراع على ضوء موازين القوى المختلة والتعامل مع العدو بطرق مختلفة، وهنا جاء دور السادات الذي أدرك ضرورة التغيير وبدأ بتقييم واقعي للوضع العربي والصراع مع إسرائيل في ظل موازين القوى القائمة والدعم الغربي غير المشروط لإسرائيل، حيث خلص إلى قراءة كانت واقعية إلى حد بعيد مفادها أن الدعم الأميركي لإسرائيل راسخ ولا يمكن تغييره وهدفه تحويل إسرائيل إلى قوة مهيمنة في المنطقة، هذا في الوقت الذي كان العرب يعتمدون فيه على الدعم السوفييتي المرهون برغبة موسكو في الابتعاد عن أي مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. وهكذا وفيما كانت أميركا تمد حليفتها إسرائيل بآخر التكنولوجيا الحربية والأسلحة المتطورة لضمان تفوقها العسكري كانت موسكو ترد بسلبية على مطالب السادات التسليحية، وهو ما دفع به إلى وقف اعتماده على الاتحاد السوفييتي بعدما أدرك أنه لا يمكنه لوحده الدخول في حرب مع الولايات المتحدة، فقام في حركة درامية أخرى بتغيير المعسكر والتقرب من واشنطن، وقد تُرجم هذا الانقلاب في المواقف سريعاً بطرده المستشارين السوفييت من مصر في عام 1972 بحيث سعى، بعد الأداء الجيد والمشرف في حرب 1973، إلى نسج علاقات متميزة مع أميركا وإداراتها المتعاقبة. وقد انتهت المفاوضات التي انطلقت بعد الحرب بين الجيشين المصري والإسرائيلي بالتوقيع على اتفاقية فك الاشتباك، كما أصبحت واشنطن بفضل الدبلوماسية المكوكية التي انخرط فيها كيسنجر، هي الراعية الرسمية للعملية السلمية. وعلى رغم فتح قناة السويس وانسحاب القوات الإسرائيلية من معظم الأراضي المحتلة في سيناء، إلا أن تسوية شاملة للصراع العربي/ الإسرائيلي ظلت بعيدة المنال، ولذا فكر السادات أن الوقت قد حان لصدمة نفسية من نوع آخر تحرك المياه الراكدة، فبعد إحباطه الواضح من تأخر عملية المفاوضات والتسويف الإسرائيلي بدعم أميركي قرر في عام 1977 الذهاب إلى إسرائيل لمد يد السلام والمصالحة لليهود. وبالفعل ألقى خطاباً أمام "الكنيست" الإسرائيلي مطالباً فيه بسلام شامل وبحق تقرير المصير للفلسطينيين. وإذا كان السادات قد نجح في ربط علاقات جيدة مع القادة الإسرائيليين إلا أنه فشل في حشد تأييد القادة الفلسطينيين، وهذه الخطوة قادت في النهاية إلى قمة كامب ديفيد برعاية كارتر، في عام 1978 بين القادة الإسرائيليين ونظرائهم المصريين، ولكن الاتفاق الذي توصل إليه الطرفان يثبت مرة أخرى الاستراتيجية الإسرائيلية القائمة على التفاوض من موقف قوة للحصول على أكبر قدر من الامتيازات وتقديم أقل ما يمكن. صحيح أن مصر استرجعت سيناء غير أن هذه الأخيرة لم تكتسِ أبداً نفس القيمة الدينية لدى اليهود كما تكتسيها الضفة الغربية، ومهما كان حجم التنازل الذي قدمته إسرائيل عند جلائها من سيناء إلا أنها حصلت في المقابل على أكثر مما أعطت بعدما دخلت في اتفاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة واستفادت من أحدث الأسلحة الأميركية، وربما الأكثر أهمية هو إخراج مصر باعتبارها أقوى بلد عربي من المواجهة وذلك دون الاعتراف بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم. ولئن كان هدف السادات من الخطوات الدرامية التي قام بها هو كسر الحواجز النفسية مع إسرائيل إلا أنه في النهاية لم يستطع إحداث تغيير جوهري في النظرة الإسرائيلية الدوغمائية حيال الفلسطينيين وحقوقهم المشروعة، بل إن إسرائيل وبعد أشهر قليلة على انسحابها من سيناء شنت حملة عسكرية على لبنان في عام 1982 في محاولة فاشلة لتصفية القضية الفلسطينية مرة واحدة وإلى الأبد. وهذا اللجوء إلى الخطوات الدرامية على رغم محدودية الأفق الذي يفتحه أمام السلام والاحتمالات الضعيفة جدّاً لتأثيره على المواقف الإسرائيلية يكرر نفسه مرة أخرى في مفاوضات السلام الجارية حاليّاً بين الفلسطينيين وإسرائيل، فقد نُقل عن عباس تصريحه أمام مجموعة من قادة اليهود الأميركيين أثناء تواجده بواشنطن، مبالغاً على ما يبدو في قدرة الخطوات الكبيرة والدرامية على دفع عجلة السلام، بأنه "لن ينكر أبداً حق اليهود في أرض إسرائيل"، فهل نجحت تلك الخطوات من قبل مع السادات حتى تنجح مع عباس؟