العالم العربي : الحاجة إلى الإصلاح السياسي
تعتبر مطالب التغيير التي تجتاح أرجاء العالم العربي انعكاساً حقيقياً للاختلالات التي ظلت قائمة لسنوات طويلة دون حل، فلم يعد بالإمكان الحفاظ على الوضع القائم، الأمر الذي يضع بعض الأنظمة العربية أمام خيارين لا ثالث لهما: إما قيادة عملية إصلاحية من الأعلى، أو مشاهدتها تنطلق من الشارع في الأسفل، ولحد الآن جاءت ردود أفعال القادة العرب على الأحداث الأخيرة التي يشهدها العالم العربي أقل من سقف التوقعات. فمن الواضح أن تغيير رؤساء الحكومات فيه كافياً لتسريع وتيرة الإصلاحات الضرورية، لا سيما وأن هناك في العالم العربي قصوراً في فهم المطالب الشعبية التي تُحصر عادة في الاحتياجات الاقتصادية، إذ تعتقد الأنظمة أن الظروف الاقتصادية الصعبة التي أججت المظاهرات يمكن معالجتها ببساطة من خلال الحلول السهلة كالزيادة في الرواتب وخفض أسعار المواد الأساسية.
والحال أن مثل هذا التفكير إذا كان قد نجح في المرات السابقة وامتص غضب الناس، فإنه سيفشل حالياً لأن المشكلة الأهم تبقى في الحكامة، لذا فإن أي تأجيل للإصلاحات لن يساهم سوى في تدهور الوضع وتأجيج الاحتجاجات.
والحقيقة أني عندما كنت نائباً لرئيس الحكومة في الأردن بذلت جهوداً حثيثة لصياغة خطة تمتد على مدى عشر سنوات للإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وكانت الأجندة الوطنية الأردنية، كما أسميت الخطة، دليلاً وخريطة طريق واضحة لإطلاق سلسلة من الإصلاحات المتدرجة والجادة في نفس الوقت، وهي لم تعتمد على الخطابة والعبارات الرنانة، بل وضعت برنامجاً محدداً بجدول زمني دقيق مع دراسة تربط بنود الإصلاح مع الموازنة العامة للدولة وابتكار طرق لقياس الخطوات المتبعة، وبموجب هذه الخطة الإصلاحية كانت القوانين الأردنية ستتغير على نحو تنفتح معه العملية الانتخابية على الجميع، وتتعزز حرية الصحافة وتضع حداً للممارسات المحتقرة للمرأة، وبعبارة أخرى كانت الخطة تهدف إلى إنشاء ديمقراطية قائمة على الاستحقاق.
ومع الأسف انبرت النخب السياسية المنتفعة من الوضع القائم إلى مهاجمة الخطة وإفشالها، لكن اليوم لم يعد ممكناً إطلاق الوعود الكاذبة حول الإصلاح السياسي، لا سيما وأن العرب فقدوا الثقة في قدرة حكوماتهم على إدارة الوضعين الاقتصادي والسياسي بالطريقة المرجوة، لذا لا بد من الإسراع في اتخاذ خطوات حقيقية لتهدئة الرأي العام المتشكك في الجهود الحكومية.
ولا بد للحكومات والسلطات القائمة من الاعتراف بواقع الفشل والتردي والبدء في وضع بلدانهم على السكة الصحيحة المتمثلة أساساً في الإصلاح السياسي.
غير أن المشكلة في العالم العربي هي النخبة السياسية المتجذرة التي استحدثها النظام لدعم حكمه.
وليس غريباً أن تتزعم تلك النخب مقاومة الإصلاح السياسي لعدم رغبتها في التخلي عن امتيازاتها التي راكمتها عبر السنين، بل وفي العديد من الحالات تقف في وجه محاولات الإصلاح التي يريد القادة إطلاقها، ولعل أسوأ ما يمكن أن يحصل للعرب وقادتهم هو استمرار تلك النخب في طمأنة الحكام وإشاعة جو كاذب من الطمأنينة باستبعاد النموذج التونسي على سبيل المثال، أو الاكتفاء بإصلاحات تجميلية لا تكفي لتغيير الوضع.
وإذا أراد بعض القادة العرب تجنب التوترات الداخلية، فإنه لا بد من بدء عملية إصلاح سياسي حقيقية ومستمرة وعلى نحو تدريجي، لأننا نعرف جيداً أن الديمقراطية لن تنشأ بين عشية وضحاها، وعلى الإصلاح أن يسير بطريقة لا تصدم النظام. وضمن هذه الإصلاحات المستعجلة يتعين على الدول العربية بما فيها مصر والأردن البدء بتعزيز صلاحيات البرلمانات، وهو لن يحدث إلا بتغيير القوانين الانتخابية لتصبح الانتخابات أكثر نزاهة والبرلمانات أكثر تمثيلاً للشعوب، والحال أن البرلمانات العربية تقتصر فقط على توفير الخدمات في حين أنها تحتاج إلى التحرك تدريجياً نحو ممارسة دورها الحقيقي في مراقبة العمل الحكومي وضبط مساره.
وفي إطار الإصلاحات أيضاً يتعين تطوير نظام فصل السلطات ومراقبة بعضها البعض، إذ لا يجب لمؤسسة بعينها أو شخص مهما كان أن يستحوذ على سلطات كبيرة كما هو الحال بالنسبة للجهاز التنفيذي الذي يتمتع بصلاحيات متضخمة في معظم أرجاء العالم العربي، وبالموازاة مع ذلك يتعين تطوير الجهاز التشريعي وضمان استقلال القضاء، لأنه بالجهازين معاً يمكن ضمان فصل السلطات وعدم تغول إحداها على الأخرى، وهو ما سيقلص من آفة الفساد المستشرية.
ولا ننسى أن هذه الإصلاحات السياسية ضرورية لتحقيق نمو اقتصادي متوازن، فقد أثبتت سياسات التحرير الاقتصادي المنفصلة عن الإصلاح السياسي أن ثمار النمو لا تصب سوى في جيوب قلة قليلة من المواطنين من رجال الأعمال، وهو ما خلق انطباعاً سلبياً لدى العرب تجاه التحرير الاقتصادي وقوى العولمة.
ومع أن العرب قد لا يكونون في هذه المرحلة من دعاة الديمقراطية الغربية، فإنهم بالقطع يطالبون بسيادة القانون والمعاملة العادلة ، هذه الأمور لن تتحقق من دون إصلاح سياسي، وعلى العرب أن يفهموا أن البقاء في السلطة رهين باقتسامها، وإلا فإن ما يحدث في مصر لن يبقى محصوراً داخل حدودها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
د.مروان المعشر
وزير خارجية الأردن السابق ونائب سابق لرئيس الحكومة الأردنية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست وبلومبرج نيوز سيرفس"