صراعات الصومال
انهارت الدولة الصومالية على وقع الصراع الداخلي الذي أطاح بنظام سياد بري عام 1991، ومنذ ذلك الحين تذبذبَ الصراع من حيث الحدة، ومن حيث طبيعة أطرافه، وأبعاده ودينامياته... لكنه ما يزال محتدماً؛ إذ يدور في لحظته الحالية بين الحكومة الاتحادية الضعيفة من جهة، والجماعات الأصولية من جهة أخرى. وفي كتاب "الصراعات في أقاليم الصومال" الذي نعرضه هنا، يسلط كل من سولومون ديرسو وبيروك مسفين الضوء على الأسباب التاريخية والاجتماعية والسياسية لذلك الصراع، وعلى مساعي صنع السلام وحفظه في البلد الذي يوصف بـ"الدولة الفاشلة"، ويركزان على تداعيات الفوضى والاقتتال هناك، بما فيها نزعة الانفصال والاستقلال لدى بعض الأقاليم الصومالية، كما يتناولان أوضاع "جمهورية أرض الصومال"، والصراع الحدودي بينها وبين إقليم بونتلاند.
وكما يلاحظ ديرسو فقد كانت السياسات والتنافسات القبلية في الماضي بين مختلف أمراء الحرب، تؤجج الصراع وتقويه، لكن هذا الصراع بدأ تدريجياً، خلال الأعوام الأخيرة الماضية، يأخذ شكل صراع بين فرقاء إسلاميين بالأساس. هذا إلى جانب تطور آخر لا يقل أهمية، وقد شهدته المناطق الداخلية المحاذية للبحر، ألا وهو القرصنة التي باتت تشكل تهديداً للأمن والتجارة البحريين.
وفيما يخص جذور الصراع الصومالي، يرى ديرسو أنه نتيجة تفاعل عمليات تاريخية واجتماعية وسياسية عدة، أسهمت في تشكيل البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية للصومال؛ أهمها دور الاستعمار الأوروبي الذي أنشأ دولة الصومال كما نعرفها اليوم، حيث قام بتقسيم المنطقة إلى خمس وحدات استعمارية منفصلة، هي الصومال الفرنسي، والصومال البريطاني، والصومال الإيطالي، والمنطقة الحدودية الشمالية، وإقليم أوجادين. وقد استمرت الآثار السلبية لذلك التقسيم بعد رحيل الاستعمار المباشر. ثم إن نظام الدولة المركزية الذي أسسه الاستعمار، على غرار الدولة القومية الأوروبية، أنتج علاقات وبنى سياسية واجتماعية لم تكن معروفة في التقاليد والأعراف الصومالية. كما أن تباين التقاليد الاستعمارية، البريطانية والإيطالية التي ورثها الصومال، أصبح مصدراً للتوتر بين نخب إقليمي الصومال البريطاني والصومال الإيطالي، مما عزز الخلافات العشائرية بين شعبي الإقليمين. كما قاد تسييس بنية العشيرة خلال الحكم الاستعماري وبعده، إلى تعبئتها في الصراع من أجل السيطرة على السلطة السياسية والموارد الاقتصادية.
ويذكر ديرسو تطورات أخرى أسهمت في انفجار الوضع الصومالي عام 1991، مثل قيام حكم استبدادي بقيادة بري، واعتماد الصومال على دعم حلفائه خلال الحرب الباردة، والسياسة الاقتصادية الاشتراكية، وجنوح نظام الحكم نحو التوريث، وسياسات القوى الإقليمية. فقد أدى كل ذلك إلى ظهور حركات عشائرية مسلحة، لاسيما بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة التي قادها ضباط من عشيرة "الماجرتين" عام 1978 حيث تأسست "الجبهة الديمقراطية لإنقاذ الصومال"، ثم تكونت "الحركة الوطنية الصومالية" على أيدي المنفيين من قبيلة "اسحاق" عام 1981. وبحلول عام 1990 وقعت أجزاء من الصومال في أيدي حركات المتمردين العشائريين. ثم أدى الهجوم الذي شنه "المؤتمر الصومالي الموحد" بقيادة محمد فرح عيديد إلى إجبار بري على الفرار من البلاد قبل أن تتمكن أي جماعة من ملء فراغ السلطة، فاستمرت بعض الحركات في السيطرة على الأجزاء التي أخذتها من جيش بري، ونتج عن الصراع بين قوات عيديد ومنافسه علي مهدي محمد سقوط أكثر من 14 ألف قتيل في مقديشو التي أصبحت مقسمة إلى شطرين، مما أعاق جهود بناء هياكل دولة تقوم بوظائفها على نحو معتاد.
ويتوقف ديرسو عند الغزو الإثيوبي الذي دام عامين عجزت خلالهما القوات الإثيوبية عن إحراز أي تقدم يذكر، حيث استعاد المتمردون الإسلاميون معظم أجزاء جنوب الصومال. ومع خروج إثيوبيا، انقسم "اتحاد المحاكم الإسلامية" إلى جناحين أحدهما تسلم السلطة وثانيهما (حركة الشباب المجاهدين) بقي يقاتل القوات الحكومية وقوات الاتحاد الإفريقي.
وقد أسفر الانسحاب الإثيوبي عن ديناميات جديدة؛ فمن جهة أثار مخاوف من حدوث فراغ في السلطة يؤدي إلى استيلاء القوى الراديكالية على الصومال، ومن جهة أخرى أتاح الفرصة مجدداً لدفع جهود إحلال السلام في البلاد، لاسيما أن الجانب الأكبر من التأييد الذي لقيته حركة الشباب استلهم المشاعر المعادية لإثيوبيا.
وفي دراسته حول "التطورات السياسية في جمهورية أرض الصومال"، يقول مسفين إن تلك الجمهورية التي أعلنت استقلالها من جانب واحد في 18 مايو 1991، نجحت في إبراز قدر تحسد عليه من السلام والاستقرار، وأنها تمثل نموذجاً لأدوار كيانات إفريقية أخرى في مرحلة ما بعد الصراع، من حيث بناء نظام يتصف بالأمان والاستقرار، ويستفيد من الموارد المحلية. كما أن دمج مؤسسات تقليدية ضمن الهيكل الحكومي الأكثر حداثة وعصرية، يجعل أرض الصومال تجربة فريدة. لكنها مع ذلك فهي تجربة تتسم بالهشاشة لأسباب يذكر الكاتب منها: عدم الاعتراف الدولي، والصراع ضد "بونتلاند"، علاوة على ما يتصف به المسرح الانتخابي في أرض الصومال من ميل إلى العنف السياسي، وضعف في المؤسسية، وانخفاض في معدلات استيعاب العمليات الانتخابية.
محمد ولد المنى
الكتاب: الصراعات في أقاليم الصومال
المؤلفان: سولومون ديرسو وبيروك مسفين
الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية
تاريخ النشر: 2010