الحالة الصحية: العوامل الرئيسية والمحددات الأساسية
في منتصف عقد السبعينيات، أصدرت لجنة كندية برئاسة وزير الصحة حينها، تقريراً عرف بتقرير "لالوند" (LaLonde Report)، انتقل بمفهوم الصحة الشخصية والمجتمعية إلى أفق جديد، من خلال زيادة إدراك أفراد المجتمع الطبي، وصناع القرار، وواضعي السياسات، لمحددات الحالة الصحية، التي لخصها التقرير في أربعة عوامل رئيسية، هي الخصائص البيولوجية والفسيولوجية، والبيئة المحيطة، ونمط الحياة الشخصية، ومستوى الرعاية الطبية المتاحة. والعامل أو المحدد الأول للحالة الصحية، أو الخصائص البيولوجية، تعتبر التركيبة الوراثية هي أفضل مثال لتوضيحه، حيث تحدد صفاتنا الوراثية الموروثة عن أسلافنا إلى درجة كبيرة مدى احتمالات إصابتنا بالعديد من الأمراض غير المعدية، مثل الأمراض السرطانية، وأمراض القلب والشرايين، وأمراض المناعة الذاتية، وغيرها. أما تأثير البيئة المحيطة على الحالة الصحية، فيتضح مثلاً من خلال تأثير الملوثات على احتمالات الإصابة بالأمراض، سواء كانت هذه الملوثات موجودة في الماء، أو الهواء، أو التربة، أو في الغذاء. وإذا ما انتقلنا لنمط الحياة الشخصية، فمن السهل أن ندرك مدى تأثير هذا العامل على الحالة الصحية من خلال نتائج بعض السلوكيات الشخصية الضارة، مثل التدخين أو شرب الكحوليات، أو تعاطي المخدرات، وعلى العكس من ذلك من خلال السلوكيات المفيدة، مثل ممارسة الرياضة، وتناول غذاء صحي متوازن، والحفاظ على وزن مثالي. وفي النهاية هناك خدمات الرعاية الطبية المتوفرة، من أفراد طاقم طبي مؤهلين، وأجهزة حديثة للتشخيص، وأدوية وعقاقير طبية للعلاج.
وهو ما يعني ببساطة، أن الحالة الصحية للشخص تحدد من خلال الصفات البيولوجية مثل تركيبته الوراثية، ونوعية البيئة المادية والنفسية والاجتماعية التي يعيش فيها، وسلوكياته وتصرفاته الشخصية، بالإضافة إلى ما يتوفر له من رعاية صحية وطبية لأغراض الوقاية أو التشخيص والعلاج. وهذه العوامل الأربعة أصبحت هي الأركان الأساسية في أية استراتيجية أو جهود رامية لتحسين الحالة الصحية للشخص أو للمجتمع برمته. وهو ما يتعارض إلى حد ما مع الاعتقاد السائد على نطاق واسع، بأن تحسين الحالة الصحية يعتمد بشكل أساسي على الاختراقات العلمية والطبية، وعلى التطورات التي تشهدها سبل التشخيص والعلاج.
فعلى صعيد الخصائص البيولوجية، وبالتحديد الأمراض الوراثية، من الملاحظ أن العقود القليلة الماضية شهدت تزايداً مطرداً في أهمية هذه الطائفة من الأمراض، في الممارسات الطبية اليومية، وضمن خطط وسياسات الرعاية الصحية. ويأتي تزايد أهمية الأمراض الوراثية في عالم الطب نتيجة أسباب عديدة، منها: تواصل اكتشاف أمراض وراثية جديدة لم تكن معروفة من قبل، مع زيادة الإدراك لمدى الانتشار الواسع لهذه الأمراض بين الأفراد والمجتمعات، بالإضافة إلى تجدد الآمال بإمكانية توفر أساليب علاج فعالة في المستقبل، تعتمد على الاختراقات الحديثة في مجال الهندسة الوراثية، ويمكنها تحقيق الشفاء التام. فمن جانب تواصل اكتشاف أمراض وراثية جديدة، نجد أن المراجع الطبية أصبحت تتضمن حاليّاً أكثر من سبعمائة وثلاثين مرضاً وراثيّاً مختلفاً. وهذه الأمراض تؤثر جميعها بشكل أو بآخر على أجزاء الجسم البشري المختلفة من خلايا وأنسجة وأعضاء، وبدرجة يندر معها وجود خلية أو نسيج أو عضو بشري، لا يمكن أن يصاب بنوع أو بآخر من أنواع الأمراض الوراثية.
أما العامل الآخر في المحددات الصحية، وهو السلوكيات الشخصية، فتتأتى أهميته من زيادة إدراكنا لقوة العلاقة بين نمط أو أسلوب الحياة، وبين طائفة متنوعة من الأمراض، وخصوصاً الأمراض غير المعدية والأمراض المزمنة. وما يقصد بنمط أو أسلوب الحياة هو: مجموعة العادات الشخصية، وأشكال الأنماط السلوكية، داخل إطار من الظروف الاقتصادية والاجتماعية والنفسية للشخص. ويعتبر التدخين من أفضل الأمثلة لتوضيح العلاقة بين السلوك الشخصي وبين الحالة الصحية. حيث يتسبب التدخين حاليّاً في مصرع خمسة ملايين شخص سنويّاً، مع تواتر التقديرات بأنه بحلول عام 2020، سيقتل التدخين عشرة ملايين شخص كل عام، إذا لم يتم عكس الاتجاه الحالي المتمثل في الارتفاع المستمر في أعداد المدخنين. ومعظم هذه الوفيات سيكون بسبب سرطان الرئة، وهو أكثر الأورام الخبيثة انتشاراً وفتكاً بضحاياه، والمسؤول عن أكثر من 13 في المئة من مجموع حالات الإصابة، وعن 20 في المئة من مجمل الوفيات الناتجة عن جميع الأمراض السرطانية.
والعامل الثالث في المحددات الصحية، أو تأثير البيئة المحيطة، يعتمد إلى حد كبير على مفهوم الصحة البيئية Environmental Health، المشتمل على الجوانب المتعددة من صحة الإنسان التي يمكن أن تتأثر بالعوامل البيئية المختلفة. أو بمعنى آخر، هي الأمراض والعلل التي يمكن أن تصيب الإنسان، نتيجة اختلال الظروف البيئية المحيطة، مثل تأثير العوامل البيئية الكيميائية والإشعاعية البيولوجية، المباشرة وغير المباشرة، على الجانب الجسدي والنفسي والاجتماعي للحياة الإنسانية. وتمتد قائمة هذه العوامل لتشمل الظروف البيئية الجمالية، مثل نوعية الإسكان، وشكل التطور العمراني، وأساليب استغلال الأراضي، وحتى نوعية وكفاءة الطرق والمواصلات. وكل هذه العوامل والظروف يقتنع الأطباء بأنها تلعب جميعاً دوراً محوريّاً في احتمالات الإصابة بالأمراض، وفي المستوي الصحي العام للأفراد. وهو ما يجعل من الصحة البيئية مظلة واسعة، تغطي في طياتها هموماً صحية أخرى كثيرة، مثل نقص التغذية، ومشاكل التلوث، بما في ذلك كيفية التخلص من القمامة والنفايات.