طريق التقوى
نحن اليوم في خامس أيام شهر رمضان الكريم، والذي يمثل صومه رابع ركن من أركان الإسلام، وقد خصه الله تعالى بخيرات كثيرة ومعانٍ عظيمة. إنه شهر المغفرة والرحمة والبر والصدقة والتوبة. وأفضل ما في التوبة أن يتوب الإنسان وهو في كامل قوته وعافيته، حيث يُروى عن "بشر الحافي" أنه كان مريضاً، فقيل له: ماذا عزمت؟ قال: عزمت أني إذا عوفيت تبت، فقال له أحد عواده: فهلا تبت الساعة؟ قال: أما علمت أن الملوك لا تقبل الأمان ممن رجليه في القيد وفي رقبته الغل؟ فبكى القوم جميعاً.
وهو شهر يتعلم فيه الصائم كيف يحارب الشيطان وينتصر عليه، وكيف يصبر على المصاعب ويجاهد نزوات نفسه. والصوم كما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم، نصف الصبر. وهو علاج لمشكلات وأسقام كثيرة تعانيها البشرية، وأخطرها شهوة البطن، حيث حدد رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم معالم الطريق إلى ذلك بقوله: "ما ملأ ابن آدم وعاءً شر من بطن، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه". وجاء في كتاب "الزهد والرقائق"، أن هذا الحديث هو أصل جامع لأصول الطب، حيث يروى عن الطبيب ابن ماسويه أنه عندما قرأ هذا الحديث قال: "لو استعمل الناس هذه الكلمات لسلموا من الأمراض والأسقام، ولتعطلت المارشايات ودكاكين الصيادلة". وربط إبراهيم بن أدهم ضبط البطن بضبط الدين: "من ضبط بطنه ضبط دينه ومن ملك جوعه ملك الأخلاق الصالحة، وإن معصية الله بعيدة من الجائع قريبة من الشيطان". ومما يُذكر في الأثر أن يوسف عليه السلام سُئل: لم تجوع وأنت على خزائن الأرض؟ قال: أخاف إن شبعت أن أنسى الجائع. ويروى عن لقمان الحكيم أنه قال لابنه: يا بني إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة.
ورمضان هو شهر القرآن، حيث كان جبريل يدارس النبي صلى الله عليه وسلم الفرقان في رمضان، وكان الصحابة والسلف الصالح يتسابقون لتدارسه وفهم آياته والتعمق فيها وختمه في يوم أو أكثر.
وهو شهر يتلمس فيه الإنسان طريقه إلى التقوى، حيث يقول الله في سورة البقرة: "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون". فهو فرصة لتنقية النفس وتطهير القلب مما علق بهما، لينطلق الإنسان من خلاله إلى تجديد حياته، فيصبح من أهل التقوى. فالصوم كما يقول الرازي يورث التقوى لما فيه من انكسار الشهوة وانقماع الهوى، إذ يردع عن الأشر والبطر والفواحش ويهون لذّات الدنيا ورياستها، حيث يكسر شهوة البطن والفرج، فمن أكثر منه هان عليه أمر هذين وخفت عليه مؤونتهما، فكان ذلك رادعاً له عن ارتكاب المحارم والفواحش ومهوِّناً عليه أمر الرياسة في الدنيا، وذلك جامع لأسباب التقوى.
لهذا كان السلف الصالح يدعون الله تعالى ستة أشهر أن يبلغهم شهر رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبله منهم. إن رمضان مدرسة إيمانية كبيرة تحققت فيها للمسلمين انتصارات عظيمة، وهو فرصة لأن يجعلوه اليوم طريقاً نحو تحقيق التقدم والتضامن والنهوض مجدداً.