لماذا انهارت الشيوعية؟
كان انهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك المعسكر الاشتراكي وتراجع النظرية الماركسية والمثل الاشتراكية، من أكبر الأحداث الواقعة في نهاية القرن العشرين. وكان من المفارقات حقاً أن تبدأ نشاطات هذه الأيديولوجية في بدايات القرن العشرين وتزدهر في أواسطه ثم تنهار بذاك الشكل المدوي عامي 1989-1990، في نهاية ذلك القرن الاشتراكي الحافل.
تصدى الكثيرون للحديث عن أسباب انهيار هذه التجربة التي كانت تتوق إلى وراثة الحاضر والمستقبل الإنساني، والتي كانت تؤكد دائماً "حتمية انتصارها" على العقائد المنافسة. أحد هؤلاء "بهاء الدين نوري"، سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، الذي تطرق للموضوع في مقدمة مذكراته، التي نشرتها دار الحكمة بلندن عام 2001.
"لا مناص لي"، يقول نوري، "وأنا أكتب مذكراتي كرجل ارتبط مصيره بمصير الحركة الشيوعية في هذا البلد وخارجه، أن أتطرق ببعض الكلمات إلى الأحداث العاصفة، التي انتهت بانهيار أنظمة الحكم التي كان على رأسها الشيوعيون في البلدان الأوروبية، وفي الاتحاد السوفييتي نفسه، وبدخول الحركة الشيوعية العالمية كلها في نكسة حقيقية عميقة".
كان من حظ الاشتراكية العاثر، يقول نوري، إنها قامت أول ما قامت في "بلد متخلف"، أي روسيا القيصرية. فبات من الطبيعي أن تحمل مع نفسها شتى العيوب والأمراض الملازمة عادة للتخلف. وهكذا ولدت الاشتراكية وهي مصابة بأمراض التخلف، "ولم تعالج تلك الأمراض في الوقت المناسب، بل تركت لتتسع إلى أن نخرت كيانها وأدت إلى انهيارها. والأنظمة الاشتراكية المتبقية في الصين وكوريا وكوبا والهند الصينية مصابة بنفس الأمراض وسوف تنتهي إلى نفس المصير ما لم تعالج تلك الأمراض".
لماذا انهارت الأنظمة الاشتراكية؟ يجيب نوري: إن هذا الانهيار "لم يكن وليد الصدفة ولا نتيجة نشاط تآمري من لدن بعض الحكام في هذه الدول أو في الدول الغربية، إنما كان نتيجة أمراض مستعصية أصيبت بها هذه الأنظمة، بالأحرى أصيبت بها الأحزاب الشيوعية الحاكمة، التي فقدت صلاتها بالشعب وتحولت إلى أجهزة بيروقراطية متسلطة ومعتمدة على أساليب القمع والبوليس السري".
ويوجز سكرتير الحزب الشيوعي العراقي الأسباب الرئيسية لانهيار المعسكر الاشتراكي بستة تطورات هي:
1- كان المرض الأخطر انعدام الديمقراطية وخنق أبسط أشكال المعارضة والنقد وتسليط البوليس السري على رقاب الجماهير. وبدلاً من أن يتطور نظام الحزب الواحد إلى نظام التعددية الحزبية، قُلِّص أو أُلغِي عملياً حتى دور هذا الحزب الوحيد الموجود كحزب حاكم "وأصبح السجن مأوى لكل شيوعي تجرأ على المجاهرة بخلافاته".
2- كان الجمود الفكري ثاني الأسباب. فقد "اتسعت ظاهرة النصيّة والجمود العقائدي لدرجة تحولت معها العقيدة الشيوعية إلى ما يشبه عقيدة دينية-سماوية. فوضع بعض القادة في عداد الأنبياء والأئمة، ومؤلفاتهم في عداد الكتب السماوية المقدسة لتقتبس منها عبارات للإجابة على أعقد الأسئلة".
لم تحصر التجربة السوفييتية مشاكل التطبيق المريض داخل الاتحاد، بل تم استنساخ البناء حرفياً في أقطار أوروبا الشرقية، دون مراعاة لتجارب كل بلد وشعب.
3- بنيت الاشتراكية على الوعود الاقتصادية والقدرة الخارقة على تحقيق الرفاهية العامة. وسلكت التجربة مناهج عقيمة في سبل المشاركة الاقتصادية أو الملكية. وقد ارتفع مستوى معيشة الشغيلة، يقول نوري، وتوفر قدر مناسب من الخدمات والضمانات الاجتماعية لهم. "غير أنه لم يلبث أن انقلبت الآية بسبب الجمود على نفس النمط من الملكية ومن إدارة الاقتصاد الوطني، الأمر الذي أدى إلى فقدان الحوافز المادية وغياب عامل المنافسة الضروري لتطوير الإنتاج". ومع مرور الوقت اكتشفت شعوب البلدان الاشتراكية المستويات المعيشية الدنيا التي تعيش فيها، "مما جعل العمال في البلدان الاشتراكية يحسدون زملاءهم على ما لهم من مستوى معيشي أفضل في البلدان الرأسمالية".
والأسوأ من هذا، تشكل طبقة مرفهة من قادة الحزب والدولة كان من المفترض أن تتفانى في سبيل مبادئها وتكون القدوة لعامة الشعب. أما ما كان يُشاهد في الواقع، فهو "أن عبء التخلف الاقتصادي والتدني في مستوى المعيشة، لم يشمل كوادر الحزب الشيوعي الحاكم والدولة البيروقراطية، الذين ظلوا يعيشون في رفاه وبحبوحة بسبب امتيازاتهم غير المشروعة الناجمة عن استغلالهم لمراكزهم الحزبية والحكومية، الأمر الذي جعل هؤلاء في عزلة عن الجماهير، بل موضع سخطها وازدرائها، وجعل النظام الاشتراكي نفسه معزولاً ومكروهاً شعبياً".
4- لعب التسلط السوفييتي وحزبه الشيوعي على بقية الدول والأحزاب الشيوعية دوراً مدمراً لنفسه وللآخرين. "إن نزعة التسلط، التي وجدت أصلاً في النهج الستاليني ونمت أكثر فأكثر في سني ما بعد ستالين، قد أفرغت تدريجياً العلاقة القائمة بين القيادة الشيوعية السوفييتية وبين الأحزاب الشيوعية الأخرى من محتواها الإيجابي وحولتها إلى عامل سلبي وسبب لإلحاق الضرر بالحركة الشيوعية بعد أن جعلتها تقوم على أساس من تبعية هذه الأحزاب لقيادة الحزب السوفييتي، الأمر الذي كان يعطي الأخيرة حق التصرف كقائد للجميع، والتدخل في شؤون الآخرين.
5- لعبت المشكلة القومية دوراً أساسياً في تحطيم التجربة. يقول د. أحمد عباس عبدالبديع في مقال عن المشكلة القومية في الاتحاد السوفييتي إن قائد الثورة الروسية لينين كان يشعر بالقلق البالغ إزاء مشكلة القوميات، إذ أنه كان يعتقد أنها قد تفكك الدولة كما فعلت شعوب البلطيق وفنلندا وبولندا التي آثرت الاستقلال. "ولذلك فإنه لكي يكسب ولاء الجماعات القومية غير الروسية لجأ إلى الأخذ بالنظام الفيدرالي بدلاً من النظام الموحد".
ويرى "نوري" أن تأسيس الاتحاد السوفييتي عام 1922 كان حلاً صائباً للمشكلة القومية حيث "عاشت تلك الشعوب في إطار دولة واحدة قرابة سبعين عاماً ضمن علاقات أخوية هادئة. ولم يكدر تعايشها الأخوي إبان كل هذه السنين شيء من الاضطرابات والتمردات القومية". ولكن "نوري" لا يلتفت هنا إلى الأدوات القمعية التي كانت تمارسها أجهزة ستالين مثلاً. فبالرغم من انتمائه إلى القومية الجورجية، فإنه كان يؤمن بشكل مطلق بهيمنة القومية الروسية، وكان يرتاب في الأقليات العرقية، وكان يرى أنه "لا يمكن الثقة في الأقليات العنصرية ولابد من معاملتهم في غاية القسوة حتى يمكن ضمان ولائهم للدولة السوفييتية... ومن ثم إلى صبغ الاتحاد السوفييتي كله بالطابع الروسي بفرض اللغة الروسية والثقافة الروسية على بقية الشعوب السوفييتية".
6- لم يكن الانهيار مفاجئاً، بل كما تقول النظرية الماركسية نفسها تراكماً كمياً أدى إلى تحول نوعي!
يقول نوري: "إن الانهيار لم يكن عفوياً، بل جاء كنتيجة منطقية لسلسلة طويلة من الأخطاء والانحرافات بدأت منذ عهد ستالين وتنامت في فترات لاحقة، خاصة في عهد بريجينف. إن هذه الأخطاء والانحرافات، مقرونة بغياب الديمقراطية، وفّرت المقومات لنشوء فئة اجتماعية جديدة طفيلية داخل الحزب الحاكم وجهاز الدولة، يمكن تسميتها بـ"النسخة الاشتراكية" من البرجوازية البيروقراطية الطفيلية الناشئة في بعض البلدان النامية".