لا زالت التجربة الأفريقية أو بالأحرى ما سمي "قصة النجاح الأفريقي" في السنوات الأخيرة، تسترعي اهتماماً متزايداً ومتفاوتاً في الفهم والتقييم، سواء في مجال التحول الديمقراطي الحادث في عدد من دول جنوب الصحراء الكبرى، أو على صعيد البناء الاقتصادي وخطوات التكامل والاعتماد المتبادل داخل نطاقات إقليمية في القارة. وفي ذلك السياق من الاهتمام والمتابعة، يأتي كتاب "السوق الأفريقية المشتركة والاتحاد الأفريقي" الذي يحاول مؤلفه، وهو الدكتور عبدالمطلب عبدالحميد أستاذ الدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة، عرض المعطيات والحقائق الأساسية للسوق الأفريقية المشتركة لدول جنوب وشرق أفريقيا، كما يرمي إلى شرح الجوانب المختلفة للاتحاد الأفريقي وآفاقه المستقبلية.
ويتألف الكتاب من سبعة فصول، تهتم بتعريف السوق الأفريقية المشتركة (الكوميسا) ونشأتها وأهدافها. فهي تضم إحدى وعشرين دولة تقع في جنوب وشرق القارة؛ وتغطي 41% من مساحتها، وتضم 380 مليون نسمة، أي ما يمثل 42% من سكان أفريقيا؛ ولذلك يعد تكتل الكوميسا أكبر تكتل اقتصادي أفريقي.
ووفقا للمعاهدة التأسيسية الموقعة في العاصمة الأوغندية كمبالا بتاريخ 5 نوفمبر1993، فإن الكوميسا هي "تكتل اقتصادي لتكامل إقليمي بين دول أفريقية ذات سيادة اتفقت فيما بينها على الارتقاء بالتكامل الإقليمي في منطقتها من خلال تنمية التجارة واندماج الأسواق، ومن خلال التعاون وتركيز العمل من أجل تطوير وتعظيم الاستفادة من المصادر الطبيعية والبشرية للصالح المشترك والمتبادل لجميع شعوبها ودولها". وتناولت الاتفاقية أهداف الكوميسا والمبادئ العامة التي تقوم عليها، وملامح السوق الأفريقية المشتركة، والتضامن الجماعي بين الدول الأعضاء، وآليات التكامل الاقتصادي، وترسيخ السلام والأمن، وإنشاء محكمة عدل أفريقية، وحماية حقوق الإنسان الأفريقي. وحددت ثلاث مراحل لتحقيق التكامل الاقتصادي المنشود؛ أولاها قيام منطقة التجارة الحرة في عام 2000، وثانيتها منطقة الاتحاد الجمركي المقرر لها أن تتم في عام 2004، ثم مرحلة السوق المشتركة في عام 2028، مع التشديد على الوسائل والإجراءات الكفيلة بتحقيق أهداف الكوميسا كما جاءت في نص الاتفاقية، وفي مقدمتها الإطار المؤسسي وملحقاته والذي يخصص له المؤلف الفصل الثاني من الكتاب بكامله. فالكوميسا تعتمد على مجموعة من المؤسسات والأجهزة التي أشارت إليها المادة السابعة من الاتفاقية المنشئة، وهي "السلطة" بوصفها أعلى جهاز رئاسي إذ يضم رؤساء الدول الأعضاء أو رؤساء حكوماتها، والمجلس الوزاري الذي هو ثاني أعلى جهاز لرسم سياسات الكوميسا ويتكون من الوزراء الذين تعينهم الدول الأعضاء، ومحكمة العدل التي أنشئت لضمان الالتزام بأحكام الاتفاقية وتضم سبعة قضاة يجري تعيينهم من جانب السلطة، ثم لجنة محافظي البنوك المركزية في الدول الأعضاء، واللجنة الحكومية التي تتكون من مسؤولين تعينهم الدول، ثم اللجان الفنية وتضم ممثلين عن الدول أيضاً، وسكرتارية الكوميسا التي يرأسها أمين عام تعينه السلطة، وأخيراً اللجنة الاستشارية لرجال الأعمال وجماعات المصالح الأخرى. هذا إضافة إلى 14 مؤسسة أخرى تابعة للكوميسا؛ مثل بنك التجارة والتنمية للكوميسا، وغرفة المقاصة للكوميسا، وشركة إعادة التأمين، ومركز تنمية المعادن، ورابطة البنوك التجارية، ومركز التحكم التجاري، ومركز كوميسا للنقل البري، ومركز كوميسا للترويج الاستثماري، ومؤسسة كوميسا لصناعة الدواء ...
أما عن الملامح الأساسية لاقتصاد دول السوق الأفريقية المشتركة، فيذكر المؤلف أن قطاع الزراعة يشكل نسبة 30% من الناتج المحلي الإجمالي لتكتل الكوميسا والبالغ 165 مليار دولار في عام 2000، فيما يمثل قطاع الصناعة والمعادن والكهرباء والإنشاء نسبة 24% فقط، بينما يستحوذ قطاع الخدمات على نصيب بنسبة 46% من الناتج المحلي الإجمالي لهذا التكتل. لكن دول المنطقة تبدو متباينة إلى حد كبير من حيث التركيبة الاقتصادية، إذ يساهم القطاع الزراعي بنسبة 50% من الناتج المحلي الإجمالي في بعضها، مثل تنزانيا وأوغندا وبوروندي، بينما لا يساهم إلا بنسبة 14 في المئة في كل من أنجولا والكونغو وموريشيوس وناميبيا وسوازيلاند وزامبيا وزيمبابوي، وأخيراً يساهم بنسبة 4.3% في سيشل، وفي مقابل ذلك تصل مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي إلى نسبة 47% في المئة في أنجولا وسوازيلاند وزامبيا. أما قطاع الخدمات فيساهم بنسبة تزيد عن 50% في دول أعضاء مثل موريشيوس وناميبيا والسودان وزيمبابوي.
وكذلك تتفاوت دول الكوميسا بشكل كبير من حيث متوسط دخل الفرد السنوي، إذ يبلغ أدنى مستوى له في الكونغو الديمقراطي مسجلا 44 دولاراً فقط، مقابل أعلى معدل وهو 6303 دولارات في سيشل.
أما لجهة مؤشر النمو الاقتصادي فإن دولا كانت تحقق معدلات نمو سالبة خلال السنوات الخمس التي سبقت عام 1999، لكنها عادت لتحقق معدلات نمو موجبة، وهي أنجولا ومدغشقر ورواندا. كما أن دولاً أخرى زادت من معدل نموها ال


