دفعت أحداث الربيع العربي الراهن، وما اكتنفه من تجاذب وتدافع سياسي واجتماعي، الصحفي أكرم بلقايد إلى تأليف كتاب صدر مؤخراً تحت عنوان: "أن تكون عربيّاً اليوم"، يحتفي فيه على طريقته الخاصة بربيع التحول العربي. ويسعى المؤلف على امتداد صفحات الكتاب الـ256 لاستشراف ملامح هذا العالم العربي الجديد الذي بدأت التحولات العاصفة الراهنة تتكشف عنه، مع كل ما يكتنف مخاض ولادته العسيرة من تحديات متكاثفة وأسئلة مسار ومصير لا نهاية لها. ومن البداية يتساءل الكاتب: على أي نحو سيكون حضور حركات الإسلام السياسي في الفضاء العام لدول التحول الربيع العربي؟ وهل ستكون الأوضاع الاقتصادية الحرجة في أكثر من بلد عربي سائر في طريق التحول، عائقاً أمام أشواق التنمية السياسية، أم ستكون دافعاً ومحركاً قويّاً لها على طريق مسارها غير المفروش بالورود؟ وهل ستتجه إكراهات وتشنجات علاقة الغرب، مع العالم العربي المتحول، من الآن فصاعداً، نحو التصعيد أم التراجع؟ والسؤال الأهم من هذا كله: هل سيكتب للديمقراطية أخيراً أن ترى النور وتتكرس وتترسخ في هذا السياق العارم من التغييرات متعددة الأوجه، وعلى ركام الأوضاع الحالية المتقلقلة التي لا يُعرف حتى الآن على أي جوانبها ستستقر في النهاية؟ هذه الأسئلة وغيرها هي ما يسعى أكرم بلقايد للإجابة عليه، إضافة إلى أسئلة وقضايا حاكمة أخرى عديدة من قبيل مستقبل تمكين النساء في المجتمعات العربية، وآفاق التجاذب بين التيارات الإسلامية والنيوليبرالية، والحلفاء السياسيين والموضوعيين لهؤلاء وأولئك في مجتمعات الغد العربية. وفي إطار نظري عام تسمه سعة مجال الاهتمام وشمولية الرؤية يفتح الكاتب أفق التأمل واسعاً في موضوعه معتمداً في ذلك على ترسانة واسعة من الخبرات والمؤهلات المكتسبة من واقع كونه صحفيّاً عربيّاً أولاً، من أب جزائري وأم تونسية، وأيضاً باعتباره باحثاً مستقلاً مقيماً في فرنسا ومتابعاً عن كثب من الشاطئ الآخر للبحر المتوسط ما يجري على الضفة الجنوبية، ما سمح له بأخذ مسافة أمان مناسبة، لرؤية مختلف أبعاد تحولات المشهد العربي في عمومه. وينطلق المؤلف ابتداءً من السؤال الذي تردد كثيراً حول أسباب اندلاع الربيع العربي هذا العام، والأسباب الكامنة في السياق السياسي والاجتماعي العربي نفسه التي أدت إلى تلاحق الهبّات في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن؟ وفي هذا المقام يسعى الكاتب للغوص وراء العناوين والأحداث الظاهرة لفهم الخلفيات والقواعد السببية الحقيقية التي أدت إلى وصول الوضع في الدول المذكورة إلى درجة من التشنج والاحتقان أصبح معها دوام الحال من المحال. ولعل أول ما يمكن قوله، من وجهة نظره، بشأن ما جرى في تونس ومصر وليبيا وغيرها هو أن هذا الربيع سحب عمليّاً من سوق التداول الإعلامي والتصنيف السياسي تلك الصورة النمطية التي كانت رائجة في الغرب المتعلقة بما كان يسمى الاستعصاء الديمقراطي العربي، فقد أثبتت الهبّات الشعبية في البلدان المذكورة، وما رُفع خلالها من مظالم ومطالب، أن العالم العربي ليس أبداً استثناء من دعوات الإصلاح والدمقرطة التي عرفت أوروبا الشرقية، ومناطق أخرى عديدة من العالم، موجات مشابهة منها خلال العقود الماضية الأخيرة. وفي هذا السياق يبين الكاتب أن الربيع العربي أيضاً لم ينشأ من فراغ أو لأسباب مثالية طوباوية مرتبطة فقط بالتعلق بأشواق وسرديات لاهوت الديمقراطية والإصلاح، وإنما هنالك أسباب موضوعية ملموسة من واقع مفردات الحياة اليومية للإنسان العادي في دول الربيع العربي هي التي أدت إلى كل ما جرى، وهي التي تحلق أيضاً الآن على أفقها المجنح تطلعات المستقبل الآتي، الذي يسعى بلقايد لاستشراف عتباته وقراءة عناوين مراحله المقبلة، بواقعية، وبعيداً عن أية طوباوية أو رومانسية ثورية. وفي سياق تفسير ما جرى كانت كلمة السر في كل من تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن هي الفشل التنموي والانسداد السياسي، مما أدى إلى تراكم الإحباط والاحتقان ومهد الظروف لسقوط آخر تبريرات تلك النظم السياسية والاقتصادية أمام الاستياء الشعبي العام. ومع أن كل أسباب الهبات الشعبية ظلت متفاقمة في الدول المعنية بشكل كان حريّاً بأن يسمح بتوقعها، إلا أن الكاتب لا يسعى أبداً للتقليل من حجم المفاجأة المدوية التي مثلها ما جرى بالنسبة له كمراقب لشؤون المنطقة، وأيضاً بالنسبة لمراكز الدراسات وبيوت الخبرة وجماعات التفكير "الثينك ثانك" في مختلف العواصم الغربية. وهذا البعد الفجائي الخلاق يمثل، في الوقت نفسه، أحد أوجه إبهام وإلهام الربيع العربي من وجهة النظر هذه. ويتوقع بلقايد في كتابه أن تتحدد ملامح المستقبل العربي على خطوط صدع اجتماعي جديدة، وضمن توازن قوى سياسي بازغ، وعلى نحو مختلف إلى حد بعيد عما كان عليه الحال منذ ظهور الدول الوطنية العربية خلال النصف الثاني من القرن العشرين. "فلن يعود العالم العربي أبداً على ما كان عليه" يقول الكاتب، الذي يؤكد أن النظرة إلي الشعوب العربية، واستطراداً إلى الإنسان العربي، بدأت تتغير الآن في الغرب والشرق معاً، حيث بدأ كثير من الصور النمطية عن الإنسان العربي يتغير، وخاصة بعدما امتد إلهام الربيع العربي إلى القارة الأوروبية وخاصة في إسبانيا واليونان، تماماً مثلما امتد أيضاً إلى أميركا على الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي حيث لا حديث هناك اليوم سوى عن حركة "احتلوا وول ستريت" التي تستلهم وتسعى لاستنساخ أجواء الربيع العربي في بلاد "العم سام". حسن ولد المختار الكتاب: أن تكون عربيّاً اليوم المؤلف: أكرم بلقايد الناشر: كارنيه نور تاريخ النشر: 2011