"آلان جوبيه"... مشوار بسبع أرواح!
ما معنى إصدار كتاب الآن عن وزير الخارجية آلان جوبيه، الذي لا يزال يحمل حقيبة الدبلوماسية الفرنسية؟ هل المقصود التلميع أم التشويه والتشويش؟ هذا السؤال بالنسبة للصحفية الفرنسية "آنا كابانا"، مؤلفة كتاب: "جوبيه... الغرور والانتقام" الصادر مؤخراً، يبدو غير مطروح، وغير ذي صلة، لأن عملها إن كان صدر الآن فإن البداية في تأليفه وتجميع مادته الأولية سبقت ذلك بسبع سنوات تقريباً، وتحديداً فقد شرعت في تأليفه سنة 2004، حين كان "جوبيه" يومها معزولاً وملاحقاً في أروقة المحاكم بتهم فساد، وكان بمعنى ما منبوذاً سياسيّاً وحزبيّاً حتى تثبت براءته. حينها كان "جوبيه" لا شيء سياسيّاً، تقريباً، وكانت شعبيته في حالة سقوط حر، وظن كثيرون أنه قد غاص إلى الأبد في ثقب أسود سياسي سيبتلعه دون رجعة، ويومها كانت فكرة تأليف كتاب عنه تبدو ضرباً من العبث، ولذا انهالت على المؤلفة النصائح من كل حدب وصوب بأن تعدل عن فكرة الكتاب، حيث أسرّت لها حينها ماري- فرانس جارو، مستشارة شيراك السابقة، بأن "الأمر يبدو كما لو أن أحداً طلب منك أن تصفي عين إبرة في مائتي صفحة"! كما أسدى لها أحد الناشرين الباريسيين نصيحة ثمينة أخرى: "لماذا تضيعين وقتك في سرد قصة لا تريد فرنسا سماعها أساساً؟"، بل إن باتريك بويسون، مستشار ساركوزي، قال لها بالحرف الواحد: "ليس لجوبيه أي مستقبل سياسي، ولذلك فلا مستقبل لكتابك أنت أيضاً".
ومع ذلك ضربت الكاتبة صفحاً عن كل تلك النصائح وقررت أن يرى: "جوبيه... الغرور والانتقام" النور، لترسم بين صفحاته الـ226 الملامح النفسية والسياسية لشخصية رجل دولة، ذي مشوار سياسي بسبع أرواح! وقد أثبتت الأيام فيما بعد أن لقصته بقية، وأن غريزة حب البقاء السياسي لديه أقوى من كل العوائق والعراقيل، ولذلك عاد للمشهد السياسي من الباب العريض، ضمن زعامات حزب ساركوزي، وعلى رأس الدبلوماسية الفرنسية أيضاً! وفي هذا الكتاب ترسم "كابانا" قسمات هذا الرجل الذي عرف طيلة مشواره السياسي كل شيء تقريباً: سطوع النجم وأفوله، التبجيل والإذلال. وإذ عاد إلى الصورة في الأخير، فقد عاد حقاً من بعيد. وكل ذلك تسجله المؤلفة من واقع اعترافاته هو في أحاديثه لها طيلة سنوات مديدة. فهو يعتبر نفسه مثلاً رجلاً ذا خطوات ثابتة وسلوك مستقيم، وأنه لا شيء من مساره السياسي يجعله يشعر بالندم، وعن ذلك يقول: "في اليوم الذي أجد فيه الرغبة في كتابة مذكراتي، فسأكون مغتبطاً بطبيعة الحال بسبب سجل إنجازاتي، لأنه مكتنز حقاً وثري".
وتتوقف المؤلفة طويلاً عند مآزق "جوبيه" السياسية والقضائية السابقة مؤكدة أن الرجل الذي وصفه شيراك ذات مرة سنة 1993 بأنه "الأفضل" بيننا" جميعاً، ما زال مقتنعاً في دخيلة نفسه بأنه كان في مقدوره أن يصبح رئيس جمهورية بدلاً من ساركوزي لولا المكيدة التي دبرت له "فاعتباراً من تلك اللحظة التي بدوت فيها فاعلاً سياسيّاً أساسيّاً أراد أولئك الناس تدميري"، وفق ما أسر هو للكاتبة. ولكن ترى من هم أولئك الناس الذين سعوا للقضاء على مشوار "جوبيه"، ولفقوا له قضايا وتهم فساد هي ما أوقف جموح أحصنته المتوثبة للصعود؟ إنهم، باختصار شديد، أصدقاء اليوم! ومن ضمنهم واحد يدعى نيكولا ساركوزي! الذي أسر "جوبيه" للكاتبة باعتقاده أنه ليس بعيداً عن محنته ومتاعبه القضائية المدبرة! هذا في حين كان شيراك هو الأكثر وفاءً، فقد حاول رفع معنويات "جوبيه" وربت على كتفه يومها قائلاً: "لا عليك، لا تبتئس، آلان، فهذه التهم لا أهمية لها، وسيتم نسيانها خلال ستة أشهر". وقد أجاب هو نفسه: "أما أنا فلن أنسى أبداً"! وبالفعل لم ينسَ "جوبيه" أبداً، حسب ما تقول الكاتبة! فبعد بقائه سنوات وفيّاً لشيراك، قرر فجأة التخلص من الأب السياسي حين اصطف سنة 2006 في معسكر داعمي ساركوزي! مبرراً ذلك بقوله "إنني أشعر بأنني مستقل في قراراتي وخياراتي"! متهماً شيراك بالسعي لجعل علاقته به وسيلة لزعزعة وحدة معسكر ساركوزي.
وفي الأخير تذهب "كابانا" إلى أن "جوبيه" وهو ابن أب صموت وأم متسلطة متطلبة، انطبع بعض سجايا تجاربه الشخصية والعائلية في سلوكه الشخصي، واستطراداً السياسي، ولذا فقد ظل دائماً يجتر هواجس اعتقاده المزمن بأنه ضحية لدسائس الآخرين وغيرتهم وحقدهم. وقد اجتمع في شخصيته كثير من عناصر القوة ومظاهر الضعف، وسحق الغرور فيها الطموح، وغطى غبش الماضي على ألق الحاضر، وربما أيضاً على ضباب المستقبل.
حسن ولد المختار
الكتاب: جوبيه... الغرور والانتقام
المؤلف: آنا كابانا
الناشر: فلاماريون
تاريخ النشر: 2011