تحتل باكستان موقعاً جغرافياً حيوياً يكسبها أهمية استراتيجية قصوى تؤهلها للعب دور أساسي في المنطقة والتحول إلى طريق تجاري لنقل الطاقة ومتنفس لغيرها من القوى الإقليمية على المحيط الهندي، فضلاً عن اضطلاعها بدور همزة الوصل بين آسيا الغربية وآسيا الوسطى وأقصى شرق آسيا. لكن رغم هذه المؤهلات يرى الكاتب والصحفي الباكستاني المتخصص في شؤون بلاده والمنطقة، أحمد رشيد، في كتابه الأخير، "باكستان على الحافة... مستقبل أميركا وباكستان وأفغانستان"، أن النخبة السياسية والعسكرية الباكستانية ضيعت فرصة التنمية الاقتصادية وتحسين ظروف المواطنين، بالتركيز على أخطار مبالغ فيها. فمشكلة باكستان، يقول الكاتب، تكمن في هذه النظرة المتقادمة التي يتبناها الجيش الباكستاني واستعصائها على التغيير، رغم التحولات الإقليمية والدولية. فحسب الجيش الباكستاني، تواجه البلاد على الدوام خطراً داهماً ومستمراً يتجسد في تربص الأعداء والقوى الخارجية التي على رأسها الهند، وفي أحيان أخرى تبرز أفغانستان كمصدر للخطر، بالإضافة إلى إيران والولايات المتحدة. وللتصدي لهذه التهديدات المحدقة بالبلاد، يحافظ الجيش على عدد كبير من الجنود يصلون إلى 600 ألف فرد، محتلاً بذلك المرتبة السابعة كأكبر جيش في العالم وبترسانة نووية تناهز 100 رأس نووي. هذا الجيش الجرار يستهلك ما بين 25 و39 في المئة من موازنة باكستان السنوية. والنتيجة أن باكستان، وبسبب هذه الفكرة القائمة على الخوف من الخارج وتخيل الأخطار المحدقة، تحولت في مرحلة ما إلى دولة ترعى الجماعات الإسلامية المتطرفة لتحقيق أهدفها الاستراتيجية على مستوى السياسة الخارجية، وتعتمد على فاعلين خارجيين، مثل "طالبان"، لمتابعة سياستها الخارجية. وهو ما يتصادم مع مصالح أفغانستان مثلاً وكذلك الولايات المتحدة التي بنت استراتيجيتها منذ إعلان إدارة أوباما الانسحاب من أفغانستان وإنهاء الحرب بحلول 2014 على تهدئة الأوضاع الأمنية ونقل المهام القتالية إلى الحكومة الأفغانية. والحال أن هذه الاستراتيجية، يؤكد الكاتب، تفتقد إلى الوضوح. فرغم النية المعلنة بالانسحاب، لم تُفصل الإدارة الأميركية الآلية المتبعة لتحقيق ذلك في ظل السياسة الباكستانية الحالية، وفي ظل السياسة المزدوجة التي ينتهجها الجيش الباكستاني بين التعاون مع أميركا في القبض على عناصر "القاعدة" من جهة، وتقديم الدعم لـ"طالبان" الأفغانية من جهة أخرى. وكما يقول المؤلف فالدافع الذي يحرك استراتيجية باكستان هو خلق حكومة موالية في كابول بعد الانسحاب الأميركي. لكن التخبط الذي تعرفه العلاقات الثلاثية بين أميركا وباكستان وأفغانستان لا يمكن رده فقط إلى النخب الحاكمة في إسلام آباد والتي على رأسها الجيش، حيث يعتقد الكاتب أن أميركا نفسها لم تحسن التعامل مع القضية الأفغانية، فحين دخلت في مفاوضات مع "طالبان" تمهيداً لانسحاب قواتها ولإشراك الحركة في السلطة، فعلت ذلك دون استشارة باكستان، مما عزز مشاعر الريبة والشك بين الجانبين. بل يرى الكاتب أن الخطوة الأميركية جانبها الذكاء الاستراتيجي، إذ كيف يمكن إشراك "طالبان" الأفغانية في ترتيبات الحكم بأفغانستان وهي واقعة تحت نفوذ الاستخبارات العسكرية الباكستانية! المشكلة في نظر الكاتب هي أن هذا التخبط في العلاقات الثلاثية يلقي بظلاله على الاستقرار في المنطقة، ويكلف الأطراف الثلاثة غالياً، فأميركا التي خاضت منذ 2001 حرباً بلا هوادة في أفغانستان ضد التطرف والإرهاب، ترى استراتيجيتها تتهاوى أمام أعينها بعد التدهور الكبير في الوضع الأمني واستمرار "طالبان" في تحقيق نجاحات، وحتى المسار السياسي الذي اختطته أميركا بدعمها حكومة كرزاي انتهى إلى الفشل. وبالطبع من بين أسباب الإخفاق تبرز السياسة الباكستانية. أما في إسلام آباد فالوضع ليس بأحسن حال، فقد أدى اعتماد باكستان على "طالبان" وجماعات متطرفة أخرى في تحقيق سياساتها إلى نشر الفكر المتشدد داخل المجتمع وتنفيذ "طالبان" الباكستانية هجمات إرهابية تهدد الاستقرار في بلد يعج بالأسلحة النووية. وفيما يبقى الوضع الأمني الباكستاني هشاً، فقد تراجعت مؤشرات التنمية والتماسك الاجتماعي بسبب اتساع رقعة الفقر، وعجز النخب المدنية عن مواجهة الجيش. وبدلاً من استغلال الموقع الجغرافي المتميز لباكستان الواقعة في مفترق طرق بين شرق آسيا وغربها والممر الأساسي لأنابيب النفط والغاز من آسيا الوسطى إلى باقي العالم، يتم التعامل مع الاستقرار من منطلق أمني ضيق يغيب الاقتصاد والدور الكبير الذي يلعبه في هذا المجال. لكن الحلقة الأضعف في العلاقة الثلاثية تبقى أفغانستان التي تحولت إلى ساعة للصراعات بعدما فشلت فيها الاستراتيجية الأميركية وباتت نهباً لتصارع القوى الداخلية والإقليمية، وهو ما يهدد بعودة الحرب الأهلية بعد الانسحاب الأميركي. زهير الكساب الكتاب: باكستان على الحافة... مستقبل أميركا وباكستان وأفغانستان المؤلف: أحمد رشيد الناشر: فايكينج أدالت تاريخ النشر: 2012