انتقل مرشح "الإخوان المسلمين" في مصر للمرحلة الثانية للانتخابات. وفي الوقت الذي يتزايد فيه الخوف من صعود الإسلاميين، تتحرك مشاعر الحنين للعالم العربي القديم في صدور الكثيرين داخل المنطقة وخارجها، وبدأ البعض في طرح الحجة التي تقول إن الأنظمة القديمة في هذا العالم، حتى وإن كانت تحد من الحريات الشخصية وتخنق النمو الاقتصادي، إلا أننا جميعاً كنا نعرف على الأقل مع من نتعامل، وإين كنا نقف، كما كانت الفوضى مقيدة. واليوم، فإن مجرد نظرة إلى العناوين الرئيسية تكفي لأن تجعل المرء منا يعتقد أن الإسلام السياسي والعلمانية يخوضان معركة ضد بعضهما من أجل السيطرة على العالم العربي الجديد. ومن الواضح أن صعود الإسلاميين يؤجج الخوف في الغرب ويجعل الكثيرين يتمنون عودة تلك الأيام القديمة الجميلة عندما كان ذلك النفر من الرجال الطيبين في مواقع المسؤولية. وفي اعتقادي أن ذلك النمط من التفكير ينطوي على مبالغة ويتجاهل الحقائق، ويحاول التغطية على مشكلات الماضي، ويعكس توقعات غير واقعية بإمكانية تحقيق تغيرات سياسية فورية في أعقاب الثورات، ويسمي المعركة التي تدور رحاها في العالم العربي في الوقت الراهن بغير اسمها الحقيقي. فتلك المعركة لا تدور بين الإسلام وبين الآخرين وإنما هي معركة من أجل التعددية تدور بين المؤمنين بها وبين هؤلاء الذين يتشبثون بأفكار تدور حول الإقصاء ويصرون على حرمان الآخرين من حقهم في التصويت. ولكسب هذه المعركة، ينبغي عدم تجاهل الدروس المهمة للغاية التي انبثقت من بين رماد العالم العربي القديم وهي: أولاً: السياسات التمثيلية شيء ضروري ولا يمكن تجنبه. والإصلاحات التي تفرض من الأعلى ليست كافية في حد ذاتها لتحقيق النضج السياسي. وكافة الجماعات والأحزاب بحاجة للتغير السريع والمساهمة في السياسة على الأرض للوفاء برغبات واحتياجات المجتمع. وربما يكون هذا الدرس هو الأهم من بين الدروس جميعاً وعلى ما يبدو أن الإسلاميين قد استوعبوه منذ عقود. أما العلمانيون فقد تذبذبوا من ناحيتهم، بين التنظير السياسي النخبوي وسياسات التشوية الحزبي. وهذا النوع من التفكير جعل الكثيرين منهم بعيدين عن الواقع ومفتقرين للشبكات الكافية على الأرض التي يمكن أن تضمن لهم النجاح. ثانياً: اعتماد جماعات معينة أو أقليات على الأنظمة الديكتاتورية لحماية حقوقها وضمان أسلوبها في الحياة- واستغلال حقوق رفاقهم في الوطن في نفس الوقت- بات أمرا غير مقبول ولا يمكن الدفاع عنه. فعلى سبيل المثال نجد أن العديد من المسيحيين السوريين قد ساندوا حكم الأسد الذي قتل الآلاف على امتداد العام الماضي، فقط لأن ذلك النظام كان يحمي حقوقهم الدينية في حين أن أنظمة الحكم البديلة لهذا النظام قد لا تفعل ذلك. هناك نوع من الصفقات غير المقبولة وغير القابلة للاستدامة. فبدلاً من تجاهل سوء المعاملة التي يتعرض لها الآخرون، فإن الجماعات المختلفة يجب أن تحارب من أجل حقوق الجميع بصرف النظر عن الولاءات والتبعيات. وهذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكن النظر فيها إلى تلك الجماعات على أنها رفاق في الوطن الوحيد وليس أقليات. ثالثاً: إن الإسلاميين قد فقدوا قداستهم في نفس اللحظة التي قرروا فيها ولوج عالم السياسة. فسواء كانوا علمانيين أو غير علمانيين، محافظين أو راديكاليين، داخل الحكومة أو خارجها... فإن جميع الذين يدخلون المعترك السياسي لا يعود بمقدورهم تبني مقاربة تقوم على أنهم أكثر قداسة من الآخرين. والناخبون عبر العالم العربي سوف يراقبون الآن كل من يسعون لقيادتهم على قدم المساواة. المجال العام في مصر وتونس والمغرب وليبيا وغيرها من البلدان، بات مفتوحاً للجميع الآن، وأصبح الشعب هو المصدر الوحيد للسلطات. فالمجتمع استرد الحق في إدخال من يراه لسدة السلطة وإخراجه منها، ولم يعد في مقدور الأحزاب الدينية التخفي وراء الدين أو التدثر بأردية القداسة. وفي نفس المقياس لم يعد بمقدور العلمانيين حرمان الإسلاميين من ممارسة العمل السياسي تحت ذريعة أنهم غير ملتزمين بالتعددية، خصوصاً إذا ما أخذنا في اعتبارنا أن الأنظمة العلمانية هي التي كانت تحد في الماضي من ممارسة السياسة المفتوحة. فقداسة الحزبين معاً- الإسلامي والعلماني- ولّت إلى غير رجعة. ومن الآن فصاعداً سوف يصبح المعيار الوحيد لقياس نجاح الأحزاب وإخفاقها في العالم العربي، هو قدرتها على الإنجاز وليس على الكلام وادعاء القداسة. إن هذا يعني أن الجميع يجب أن يعملوا معاً من أجل الدفاع عن الحقوق الأساسية والتحول للديمقراطية الحقيقية. وسياسات الإقصاء يجب أن تخلي الطريق لسياسات الإدماج، كما يجب أن نعرف أن تحالف أنصار التعددية، هو فقط القادر على النجاح في بناء المجتمع الديمقراطي الذي تحكم فيه الأغلبيات وتحترم فيه حقوق الأقليات، وتصان فيه حقوق الفرد، ويطبق فيه حكم القانون على الجميع من دون محسوبية. لقد دقت ساعة المعركة من أجل التعددية. مروان المعشر وزير خارجية الأردن الأسبق ونائب رئيس مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس"