تشكل ظاهرة هجرة الحيوانات من مكان إلى آخر، قاطعة مسافات طويلة حول العالم، أمراً مهماً يحظى بمراقبة العلماء ويخصونه بالرصد والدراسة. فمن الفراشات إلى الطيور، ومن الحيتان إلى أنواع الأسماك الأخرى، تقطع الحيوانات المهاجرة مسافات طويلة، هرباً من الظروف المناخية القاسية في أماكن تواجدها أو بحثاً عن مناطق أكثر دفئاً، تماماً مثلما يفعل البشر الذين يشدون الرحال إلى المناطق المشمسة أو الدافئة أو المعتدلة لقضاء إجازاتهم. لكن، وخلافاً للإنسان الذي يتوفر على الطائرات ووسائل النقل الحديثة التي تنقله إلى وجهته المنشودة، يبقى السؤال مطروحاً حول الكيفية التي يمكن بها للحيوانات قطع مسافات طويلة والوصول إلى الوجهة المقصودة دون الاعتماد على أية وسائل مساعدة؟ الحقيقة أن دراسة علمية أجريت في الآونة الأخيرة، أجابت عن ذلك السؤال، معيدةً القدرة الملحوظة في هذا الصدد لدى الحيوانات المهاجرة، إلى خلايا مغناطيسية تساعد الطيور والحيوانات الأخرى على تحديد وجهتها وعدم الضياع. فقد كشف فريق دولي من العلماء عن عملية تتم داخل الخلايا لدى سمك السلمون المرقط، تسمح له برصد الوجهة والتجاوب مع الحقل المغناطيسي للأرض. هذه القدرة تفسر كيف يمكن للحيوانات الحفاظ على مسارها الطويل خلال الرحلات السنوية التي تقوم بها حتى عندما يغير الإنسان المشهد العام. فلفترة طويلة اعتقد العلماء أن الحيوانات تعتمد على الحقول المغناطيسية للأرض، لكن فقط كخريطة عامة تعوزها الدقة. ولإثبات دور الحقل المغناطيسي في هذا الخصوص، كان على العلماء أولا إثبات وجود خلايا مغناطيسية داخل أجسام الحيوانات قادرة على التجاوب مع الحقل المغناطيسي الأرضي، غير أن المحاولات التي أجريت طيلة الفترة السابقة واجهت سلسلة من الإخفاقات، لاسيما تلك الدراسات التي توقعت وجود الخلايا المفترضة في مناقير الحيوانات فقط، ليتم تفنيد ذلك الافتراض في شهر أبريل الماضي. ولعله من الأسباب التي تفسر صعوبة العثور على الخلايا المغناطيسية، كونها لا توجد مجتمعة في مكان واحد من جسم الحيوانات، بل تتوزع على مناطق مختلفة من الجسم، لأن لكل خلية حقلها المغناطيسي الخاص بها ولابد من توزيعها وانتشارها حتى لا تتداخل الحقول المغناطيسية مع بعضها البعض. لكن في الدراسة الجديدة التي نُشرت على الإنترنت خلال الأسبوع الجاري، من قبل الأكاديمية الوطنية للأبحاث، لم يكتف العلماء بالعثور على الخلايا المغناطيسية وتحديد موقعها، بل اكتشفوا أيضاً أن تلك الخلايا هي أقوى مغناطيسياً مما كان متصوراً في السابق، وهو ما عبر عنه "جوزيف كريكشفينك"، الذي كان أحد المشاركين في الدراسة قائلاً: "هذه الخلايا هي عملاق مغناطيسي". واللافت أن العلماء استخدموا تقنيات بسيطة لعزل الخلايا المغناطيسية داخل السلمون المرقط، حيث لجؤوا أولا إلى استخراج الخلايا من الجزء المسؤول عن حاسة الشم لدى السلمون، ثم قاموا، وهم يضغون الخلايا تحت المجهر، بتقريب حقل مغناطيسي تحرك حسب عقارب الساعة، حينها تتحرك الخلايا المغناطيسية بالتوافق مع الحقل المغناطيسي... وهو ما أكدته التجربة ليكتشف العلماء أن الخلايا مليئة بمعدن المغناطيس. ومع أن التجربة تبدو سهلة، فقد تفاجأ العلماء بنتائجها، لاسيما بعد أن اكتشفوا الطبيعة المغناطيسية العالية للخلايا. وعن هذا الموضوع يقول "مايكل وينكهوفر"، العالم من جامعة "لودوينج-ماكسميليان" بميونخ، إن التقديرات السابقة عن كمية المغناطيس في الخلايا كانت تشير إلى قلتها، "لكن تبين بعد التجربة أن كل خلية تحتوي على مائة معدن دقيق من المغناطيس بدلا من خمسة، كما كنا نعتقد". تلك الكمية الكبيرة من المغناطيس، والتي تحتوي عليها خلايا الحيوانات المهاجرة، تساعد في حل ظاهرة أخرى غامضة استعصت على العلماء لسنوات طويلة، فمعروف أن الحقل المغناطيسي لكوكب الأرض يتغير كل مئة عام، بحيث ينزل إلى الصفر، فكيف تحدد الحيوانات وجهتها في هذه الحالة؟ الحقيقة أن الكمية العالية من المغناطيس في خلايا الحيوانات المهاجرة، تحفظ لها القدرة على تحديد الاتجاه، وتجعلها قادرة على مواصلة رحلتها صوب الوجهة الصحيحة. ومع ذلك يبقى السؤال حول الكيفية التي تعمل بها الخلايا. وهنا يجيب العلماء أيضاً بتوصلهم إلى أن الخلايا تبدأ في الدوران استجابة للحقل المغناطيسي للأرض، وهي تقوم بذلك على نحو فوري يجعل استجابتها سريعة للغاية، ما يعني أيضاً أن المغناطيس ليس جسماً عائماً داخل الخلية ومنفصلا عن تركيبتها، بل هو جزء أصيل من الخلية، ما يجعلها قادرة على الدوران كلما خضعت للحقل المغناطيسي. وبالطبع تكون الخلايا المغناطيسية على تواصل دائم بالدماغ، فكلما تحركت الخلايا بوحي من الحقل المغناطيسي للأرض تنفتح قنوات التواصل لتدفق الأيونات من الخلية وخارجها، في تواصل مع الخلايا العصبية والدماغية التي تعطي أوامرها للجسم لتغيير الوجهة. ورغم الاكتشافات الأخيرة، يبقى على العلماء تحديد الآليات الدقيقة لحدوث عملية الاستجابة للمغناطيس داخل الخلايا، وكشف ذلك أمام الجمهور. فبدون تجارب مخبرية على الخلايا المغناطيسية ترصد عملية التواصل مع الدماغ، وتأثيره على تغيير الحيوانات وجهتها، سيظل جزء كبير من الدراسة مجرد استنتاجات نظرية لا ترقى إلى مستوى الحقائق العلمية الثابتة. --------- جون باردين كاتب أميركي متخصص في الشؤون العلمية --------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "إم. سي. تي. إنترناشونال"