اجتمعت بطبيب أسنان من "بصرى الحرير"، وهي مدينة صغيرة في أرض حوران، قلت له متعجباً معلوماتي عن أهل حوران: إن نصفهم حزبيون وربعهم في الجيش أو المخابرات، ومنهم "عبود"، وفاروق الشرع، ورستم غزالة، و"القداح"، ومنهم فيصل المقداد لسان الحزب وطلاؤه الخداع. قلت للطبيب الحوراني: لكن بعد كل ما حدث، ما هي أخبار مدينتكم؟ قال: سكانها 25 ألفاً لم يبق منهم ألفان. وأول القتل بدأ عندنا، فقتلنا من الشبيحة ستين وسقط منا ستة شهداء، ثم استحر القتل فلم يبق حجر على حجر، وهو على ما يبدو مصير سوريا! قلت: بعد كل هذا الخراب والدمار، هل من ندم ونادم؟ قال: نعم، نحن نادمون أننا تأخرنا في الانتفاضة وفي القضاء عليهم، ولو توافر لنا السلاح لحررنا حوران. تحدث رجل مسن بجنبه وقال: نحن صامدون وإلى النصر بإذن الله سائرون. قلت: كيف هي معنويات الناس في الداخل؟ قال: إذا نضب صبرك وأعيتك الحيلة وضاق صدرك، فمنهم خذ المدد! تعجبت وتذكرت قانون المحنة الذي درسته يوماً لأكتشف ذلك الناموس النفسي الاجتماعي بأبعاده الأربعة. لفت نظري في القرآن تكرار مفهوم الفتنة والمحنة والزلزلة، وكنت معتقلاً في سجن المزة العسكري عام 1965، وكنت في مظاهرة بالجامع الأموي، فألقي القبض علينا ونحن خمسة آلاف ثم اقتادونا إلى السجن الرمادي. مررت بين صفين من الجنود، والكل يصفع ويسب ويلعن ويشتم بأقذع الألفاظ أمهاتنا. وقد سمع العالم الجنود السوريون يتلفظون بمثل ذلك وهم يدكون المدن في خريف 2012، حيث تحول المال الذي دفع لهذا الجيش سلاحاً لقتل المتظاهرين! في ظلمات السجن كنت أسمع لمروان الخياط وهو يقرأ علينا أول سورة العنكبوت، وهي تتحدث عن المحنة، فحرّكتْ في ذهني مشاعر مختلطة رست في النهاية بأربعة أفكار؛ الفكرة الأولى أنه ليس ثمة نهوض بدون محنة، أو ما يسميه توينبي قانون التحدي. والثانية أنه ليس ثمة نقاوة وتطهر بدون هذا اللون من العذاب، فالعذاب والمحنة شرط للتطهير: "أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين". الثالثة أن المحنة يجب أن تأتي بالحجم الملائم لتحقيق النمو الأخلاقي: "يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه". أما الرابعة والأخيرة فهي أن المحنة جاءت وفق قانونها الخاص، بلا زيادة تسحق ولا نقص لا يبعث على الحركة. ويعتبر توينبي أن التحدي يجب أن يأتي في الحدود المناسبة لخلق روح الحضارة. والمعيار هنا هو: هل خرج الممتحن حاقداً أم متطهراً؟ هل النتاج الفكري إنساني أم طائفي مذهبي حاقد؟ ومع هذا فهناك مخاطر أن تموت الحضارات أو لا تتخلق أو تتحنط في أجواء التحدي الساحقة. كان السوريان إذا اجتمعا في الخارج يرتاب أحدهما في الآخر أن يكون من المخابرات، أما حالياً ومع اشتداد نار المحنة فالسوري يلتف حول السوري، وفروق الأفكار تتضاءل والاندماج يزداد قوة. ووفق قانون المحنة فإن المعدن الذي يتعرض للنار يصفو من الشوائب ويزداد التحامه، كذلك قدر الشعب السوري اليوم. يقول الله تعالى: أَنزل من السماء ماءً فسالت أَودِية بِقدَرِها فاحتمل السيلُ زبداً رابياً ومما يوقدون عليهِ في النارِ ابتِغاء حلْية أَو متاع زبدٌ مثلُه كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جُفاءً وَأما ما ينفع الناسَ فيمكث في الأرض كذلك يضرب اللهُ الأمثال".